السوري ـ خاص
بينما تعلن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك عن تشديد الرقابة على الأسواق، وتطوير آليات تنظيم الضبوط التموينية، يرى كثير من السوريين أن هذه الإجراءات لم تنعكس حتى الآن على واقعهم المعيشي، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين دخل الأسرة وتكاليف الحياة اليومية.
وخلال الأشهر الأخيرة، كثفت مديريات حماية المستهلك حملاتها على الأسواق، مع التركيز على مخالفات عدم الإعلان عن الأسعار، والغش التجاري، والمواد غير المطابقة للمواصفات، إلى جانب فرض غرامات وإغلاق بعض المحال المخالفة. كما أعلنت الوزارة عن إدخال وسائل رقابية جديدة، من بينها استخدام الكاميرات، وأجهزة الفحص السريع، وأنظمة إلكترونية لتلقي شكاوى المواطنين.
إلا أن هذه الإجراءات تثير تساؤلات لدى مواطنين وخبراء اقتصاديين حول مدى قدرتها على معالجة الأسباب الحقيقية للفوضى السعرية، في ظل استمرار التضخم وتراجع قيمة الدخل، وغياب سياسات اقتصادية تحد من ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد.
الأسعار ترتفع… والدخل ثابت
يقول مواطنون إن المشكلة الأساسية لم تعد في وجود بطاقة سعر على السلعة من عدمه، بل في أن الأسعار نفسها تجاوزت قدرة غالبية الأسر على الشراء.
فمعظم الموظفين والعمال يتقاضون أجورًا لا تغطي سوى جزء محدود من احتياجاتهم الشهرية، بينما تواصل أسعار المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية ارتفاعها بوتيرة تفوق أي زيادة في الدخول، ما يدفع كثيرًا من العائلات إلى تقليص استهلاكها أو الاستغناء عن سلع كانت تعد ضرورية.
ويرى مراقبون أن الإعلان عن الأسعار يحقق قدرًا من الشفافية، لكنه لا يحد بذاته من الغلاء، طالما لا توجد آليات فعالة لضبط أسباب ارتفاع الأسعار أو تحسين القوة الشرائية للمواطنين.
الرقابة على التاجر… أم على السوق؟
يرى اقتصاديون أن التركيز على تنظيم الضبوط بحق التجار لا يكفي لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ تتأثر الأسعار بعوامل أكثر تعقيدًا، أبرزها ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وتقلبات سعر الصرف، وصعوبة تأمين المواد الأولية، إضافة إلى الرسوم والضرائب التي يتحملها المنتج والتاجر قبل وصول السلعة إلى المستهلك.
ويحذر مختصون من أن تحميل الحلقة الأخيرة في سلسلة التوريد وحدها مسؤولية ارتفاع الأسعار قد لا يؤدي إلى نتائج مستدامة، إذا لم يترافق مع سياسات اقتصادية تعالج جذور الأزمة.
شكاوى مستمرة من الأسواق
ورغم الإعلان عن تطوير منظومة الشكاوى الإلكترونية، لا تزال شريحة واسعة من المواطنين تعبر عن عدم ثقتها بقدرة الجهات الرقابية على التدخل السريع، خاصة في الأسواق الشعبية، حيث تتفاوت الأسعار بين متجر وآخر، وتختلف جودة المنتجات، فيما تستمر شكاوى تتعلق ببيع مواد غذائية منتهية الصلاحية أو مجهولة المصدر.
كما يشير أصحاب محال تجارية إلى أن الرقابة غالبًا ما تركز على المخالفات الشكلية، مثل الإعلان عن الأسعار، في حين تبقى المشكلات المرتبطة بتذبذب أسعار الجملة وصعوبة تأمين البضائع خارج نطاق المعالجة.
معادلة معيشية أكثر تعقيدًا
ويرى مراقبون أن تحسين واقع الأسواق لا يرتبط فقط بزيادة عدد الدوريات التموينية أو تشديد العقوبات، بل يتطلب رؤية اقتصادية متكاملة تشمل دعم الإنتاج المحلي، واستقرار سعر الصرف، وتخفيف أعباء الاستيراد، وتحسين مستويات الدخل، بما يتيح للمواطن الاستفادة الفعلية من أي استقرار في الأسعار.
فالمستهلك السوري، الذي أنهكته سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية، لا يقيس نجاح الرقابة بعدد الضبوط المنظمة أو المحال المغلقة، وإنما بقدرته على شراء احتياجات أسرته دون أن يضطر إلى الاستدانة أو التخلي عن أساسيات المعيشة.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، تبقى الحملات الرقابية، بحسب مراقبين، خطوة مهمة لكنها غير كافية ما لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية أوسع تعالج أسباب الغلاء، وتعيد التوازن بين الدخل والأسعار، وهو التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة في المرحلة الحالية.