حلب
لم يكن التصعيد العسكري الذي شهده حيا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حدثاً أمنياً عابراً أو تطوراً ميدانياً منفصلاً عن السياق السياسي العام، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، متزامناً مع زيارة وفد تركي رفيع المستوى إلى العاصمة السورية دمشق، في أول زيارة من هذا المستوى منذ أشهر.
هذا التزامن الزمني، إلى جانب طبيعة التصعيد وأهدافه، يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز الرواية الأمنية الرسمية، باتجاه تحليل أعمق لدور العوامل الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا، في إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي داخل المدن السورية الكبرى.
التصعيد في الشيخ مقصود والأشرفية، وهما من أكثر أحياء حلب حساسية وتعقيداً من حيث التركيبة السكانية والتوازنات الأمنية، يطرح أسئلة جوهرية حول ما إذا كانت هذه التطورات تشكل رسالة سياسية متعددة الاتجاهات رسالة موجهة للإدارة الذاتية وقوى الأمن الداخلي، ورسالة تطمين لأنقرة، وربما أيضاً رسالة داخلية تعكس توجهات الحكومة السورية الانتقالية في مقاربة ملف شمال وشرق سوريا.
ويمثل حيا الشيخ مقصود والأشرفية حالة استثنائية داخل مدينة حلب منذ سنوات الحرب، إذ حافظا على درجة من الاستقرار النسبي، مقارنة بمناطق أخرى شهدت دماراً واسعاً وتبدلات ديموغرافية عميقة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى إدارة أمنية محلية اعتمدت على قوى الأمن الداخلي (الأسايش)، إلى جانب تفاهمات ميدانية متكررة مع مختلف الأطراف المسيطرة على المدينة.
هذا الاستقرار لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج معادلة دقيقة بنيت على ضبط النفس، وتجنب الانخراط في صراعات مفتوحة، وحماية الطابع المدني للحيين، غير أن هذه المعادلة باتت اليوم موضع اختبار حقيقي، في ظل تصاعد الضغوط السياسية والعسكرية المرتبطة بملف قوات سوريا الديمقراطية ومستقبل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.
خلفية التصعيد.. حصار وضغوط متراكمة
بحسب معطيات ميدانية وشهادات محلية، فإن التصعيد الأخير لم يكن مفاجئاً أو وليد لحظة آنية، بل جاء تتويجاً لسلسلة من الإجراءات الضاغطة التي بدأت منذ أواخر أيلول الماضي.
وشملت هذه الإجراءات منع إدخال المحروقات والمواد الأساسية إلى الحيين، وفرض قيود على حركة المدنيين والبضائع، في سياسة اعتبرها سكان محليون إعادة إنتاج لأساليب الحصار التي مورست خلال سنوات سابقة من الحرب في سوريا.
كما سجلت تحركات استفزازية تمثلت في تحليق طائرات استطلاع مسيرة فوق الحيين، وهو ما يشكل خرقاً واضحاً لاتفاق الأول من نيسان الموقع بين المجلس العام لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية وممثلي الحكومة الانتقالية، والذي ينص بوضوح على مسؤولية وزارة الداخلية، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي، عن حماية السكان ومنع أي اعتداء بحقهم.
بلغت هذه الضغوط ذروتها مع الهجوم الذي استهدف حاجزاً مشتركاً لقوى الأمن الداخلي في محيط دوار الشيحان، تلاه اندلاع اشتباكات على عدة محاور داخل الحيين.
وبحسب بيان صادر عن المركز الإعلامي لقوى الأمن الداخلي في حلب، فإن الهجوم استهدف عناصر أثناء قيامهم بمهام روتينية، ما دفع القوات للرد ضمن إطار الدفاع المشروع.
وأكد البيان أن الرد كان متناسباً ومحدوداً، مع الحرص على عدم توسع دائرة الاشتباك وحماية المدنيين، في وقت كانت فيه الطائرات المسيرة تحلق فوق المنطقة، ما زاد من حالة التوتر والقلق بين السكان.
الدفاع كخيار اضطراري
تصر قوى الأمن الداخلي على أن تعاملها مع التطورات الأخيرة جاء كخيار اضطراري فرضته ظروف الميدان، وليس كجزء من سياسة تصعيدية، وتشدد على أن أي تراجع عن الرد كان سيعني فتح الباب أمام فرض وقائع جديدة بالقوة، قد تهدد الأمن النسبي الذي حافظ عليه الحيان لسنوات.
في المقابل، يبرز تساؤل مشروع حول ما إذا كانت الحكومة الانتقالية تسعى إلى اختبار حدود هذا الاستقرار، ودفع قوى الأمن الداخلي إلى موقف دفاعي دائم، تمهيداً لإعادة صياغة المعادلة الأمنية في حلب.
ويتزامن هذا التصعيد مع زيارة وفد تركي برئاسة وزير الخارجية هاكان فيدان، ضم وزير الدفاع ورئيس الاستخبارات التركية، ما يمنح الزيارة ثقلاً سياسياً وأمنياً واضحاً.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك في دمشق، شدد فيدان على ضرورة تنفيذ اتفاق 10 آذار الموقع بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، مؤكداً أن دمج “قسد” في مؤسسات الدولة “سيكون في صالح الجميع”.
غير أن فيدان أشار في الوقت نفسه إلى ما وصفه بعدم وجود نية حقيقية لدى “قسد” لتنفيذ الاتفاق، في خطاب يعكس استمرار النظرة التركية التقليدية إلى الإدارة الذاتية باعتبارها تهديداً أمنياً ينبغي تفكيكه أو احتواؤه.
التصعيد كرسالة سياسية
في هذا السياق، يبدو أن التصعيد في الشيخ مقصود والأشرفية لا يمكن فصله عن محاولة الحكومة الانتقالية إظهار قدر من الانسجام مع المطالب التركية، عبر اتخاذ خطوات عملية على الأرض تستهدف مناطق نفوذ أطراف تعاديها أنقرة داخل المدن الكبرى.
وعليه فإن استخدام الضغط العسكري المحدود قد يهدف إلى إرسال رسالة مفادها أن الحكومة الانتقالية قادرة على ضبط هذه المناطق، وإعادة إدماجها ضمن منظومة مركزية، بما يتماشى مع الرؤية التركية.
تُعد حلب، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي والسكاني، ساحة اختبار حقيقية لأي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية في سوريا، وأي تغيير في معادلتها الداخلية ينعكس بالضرورة على مجمل الشمال السوري.
الشيخ مقصود والأشرفية، بوصفهما منطقتين حافظتا على خصوصية إدارية وأمنية، يشكلان نموذجاً لا ترغب أنقرة في تعميمه، خشية أن يتحول إلى سابقة تعزز مطالب اللامركزية أو الحكم الذاتي.
موقف الحكومة الانتقالية
وتبدو الحكومة السورية الانتقالية عالقة بين خطابين متناقضين، خطاب سياسي يؤكد الالتزام بالحوار والحلول السلمية، وخطاب ميداني يسمح باستخدام أدوات الضغط العسكري. هذا التناقض يضعف مصداقية الحكومة، ويقوض أي مساع لبناء الثقة مع المكونات المحلية.
كما أن الرهان على المقاربة الأمنية وحدها في معالجة ملفات معقدة مثل الشيخ مقصود والأشرفية، يحمل مخاطر إعادة إنتاج أنماط الحكم المركزي القسري، التي كانت أحد أسباب اندلاع النزاع السوري أساساً.
رغم تأكيد المسؤولين الأتراك على أن استقرار سوريا يمثل أولوية استراتيجية لتركيا، إلا أن السياسات المتبعة على الأرض تثير تساؤلات حول طبيعة هذا الاستقرار المنشود، فالدفع باتجاه تفكيك قوى محلية حافظت على الأمن النسبي، دون تقديم بدائل واضحة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وقد يؤدي استمرار التصعيد، ولو بمستويات منخفضة إلى تفجير الأوضاع في حلب، وفتح الباب أمام صراعات أوسع، في مدينة لم تتعاف بعد من آثار الحرب، كما أن أي مساس بأمن الشيخ مقصود والأشرفية قد ينعكس سلباً على النسيج الاجتماعي، ويؤدي إلى موجات نزوح جديدة.
إن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية لا يمكن اختزاله في حادث أمني عابر، بل هو مؤشر على مسار سياسي – أمني آخذ في التشكل، تُستخدم فيه أدوات الضغط الميداني كجزء من تفاهمات إقليمية أوسع، ومع غياب ضمانات حقيقية لحماية المدنيين واحترام الاتفاقات، يبقى خطر الانزلاق قائماً.
الحل، لا يكمن في التصعيد أو فرض الوقائع بالقوة، بل في العودة إلى مقاربة سياسية تشاركية، تعترف بخصوصيات المناطق، وتضع مصلحة السكان في صلب أي ترتيبات مستقبلية، بعيداً عن منطق الرسائل العسكرية والإملاءات الإقليمية.