حمص/ بسام الحمد
تنتشر ظاهرة التسوّل في مدينة حمص بشكل لافت، حتى باتت جزءًا يوميًا من المشهد العام في الشوارع والساحات والأسواق. لم يعد المرور في مركز المدينة أو في الأحياء المزدحمة ممكنًا دون مواجهة أفراد يمدّون أياديهم طلبًا للمساعدة، من أطفال ونساء ورجال، ولكل منهم قصة يرويها أو يبتكرها لإقناع المارّين بمنحهم بعض المال. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الجهات المعنية للحد من الظاهرة، فإنها ما تزال في ازدياد، مدفوعة بظروف اقتصادية صعبة وأحيانًا باستغلال منظم يستهدف الفئات الأكثر هشاشة.
في أحد تقاطعات الكورنيش الشرقي، يقف علاء، طفل في الثانية عشرة من عمره، يحمل علبة مناديل صغيرة ويركض بين السيارات فور توقف الإشارة. يبدو عليه التعب رغم صغر سنه، وعندما يُسأل عن سبب وجوده في الشارع صباحًا بدلًا من المدرسة يجيب بخجل واضح بأن المدرسة لم تعد خيارًا متاحًا له، وأن عليه العمل كي لا يعود خالي اليدين إلى البيت. يشرح أن هناك من ينتظر منه مبلغًا محددًا كل يوم، ويقول ذلك بصوت متردد يشير إلى خوفه من العقاب إذا لم يحقق المطلوب. ينطلق بعدها بسرعة عندما يلمح سائقا يفتح نافذته، وكأن الحديث معه مجرد استراحة قصيرة في يوم طويل يقضيه تحت الشمس.
وفي الطرف الآخر من المدينة، قرب باب هود، تجلس امرأة تُعرَف لدى السكان باسم أم رشا. ترتدي عباءة سوداء وتضع أمامها أكياسًا تحتوي على أدوية وعلبًا فارغة، وتروي للمارة قصتها المؤلمة كل يوم؛ فهي تقول إنها فقدت زوجها وإن ابنها مريض ويحتاج إلى علاج لا تقوى على تكلفته. تكرر بأسى أنها لا تطلب سوى ما يكفي لتأمين الدواء والطعام. غير أن بعض المارة يقولون إن الرواية ذاتها تتغير من وقت لآخر، إذ تذكر أحيانًا أنها نازحة حديثًا أو أنها فقدت بيتها قبل أسابيع، رغم أن الناس شاهدوا وجودها في المكان نفسه منذ أشهر طويلة. هذا التغيير المستمر في قصتها يثير تساؤلات حول ما إذا كانت بحاجة حقيقية أم أنها تمارس أسلوبًا معتادًا لجذب التعاطف.
ويشير عدد من تجار السوق والمحال في الحميدية والدبلان إلى أن بعض المتسوّلين يظهرون بشكل منظم، يأتون ويغادرون في أوقات محددة، ويحتلون مواقع ثابتة يوميًا، بل إن البعض يؤكد رؤيتهم يُنقلون بسيارات صغيرة مع الفجر ويُعاد جمعهم في المساء. هذه المشاهدات تعزز اعتقادًا واسعًا بوجود مجموعات تستغل الفقر لتشغيل النساء والأطفال في التسوّل، بحيث لا تكون الأموال التي تُمنح لهم مصدرًا لتحسين أوضاعهم بل تُحوَّل إلى أشخاص آخرين يقفون خلف الستار. ورغم غياب أرقام رسمية دقيقة، فإن حملات سابقة للبلدية كانت قد ضبطت بالفعل حالات مماثلة، مما يجعل هذه الشكوك أكثر واقعية.
لكن جزءًا كبيرًا من الظاهرة يرتبط قبل كل شيء بالأزمات الاقتصادية الممتدة التي أثرت على المدينة خلال السنوات الماضية. ارتفاع الأسعار، وفقدان كثير من الأسر لمصادر دخلها، وازدياد عدد الأرامل والأطفال الذين بلا معيل، كلها عوامل ساهمت في دفع أفراد إلى الشوارع اضطرارًا لا اختيارًا. بعض هؤلاء، بحسب شهادات الأهالي، كانوا يعملون في مهن بسيطة قبل أن يفقدوها، ولم يجدوا ملاذًا سوى طلب المساعدة في الأماكن العامة. وهذا النوع من المتسوّلين غالبًا ما يظهر بخجل ويدفعه العوز الحقيقي.
ورغم إطلاق مديرية الشؤون الاجتماعية عددًا من الحملات لجمع المتسوّلين وإعادة تأهيلهم، فإن النتائج لم تكن على مستوى التوقعات، إذ يعود كثيرون إلى الشوارع بعد أيام قليلة. بعض الأطفال يعاد دفعهم إلى العمل من قبل أسرهم، والبعض الآخر يهرب من مراكز الرعاية لأنها لا توفر لهم ظروفًا أفضل من الشارع. كما أن قلّة التمويل وعدم القدرة على متابعة الحالات لفترة طويلة يحدّ من فعالية هذه الجهود.
وبين من يستحق المساعدة فعلاً ومن يمارس التسوّل كعمل منظم، يقف سكان حمص في حيرة دائمة. البعض يعطي بدافع الرحمة، والبعض يمتنع خوفًا من تشجيع استغلال منظّم، فيما يرى آخرون أن الحل لا يكون بالمنع فقط، بل بدعم اقتصادي واجتماعي حقيقي للأسر الفقيرة، وبتشديد العقوبات على من يستغل الأطفال والنساء لهذه الغاية. ومع أن الظاهرة تبدو متجذرة، فإن مواجهتها تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين التعاطف المسؤول والرقابة الصارمة، حتى لا يبقى الشارع هو الملجأ الأخير لمن فقدوا كل وسائل العيش الكريم.