لكل السوريين

أزمة المياه في درعا.. تحذيرات من الكارثة مع جفاف مناخ سوريا

درعا/ رجاء مختار

تطل أزمةٌ لا تقل وطأة عن ويلات الحرب، أزمة تهدد باجتياح صامت قد يحصد ما تبقى من حياتنا هنا في درعا. إنها أزمة المياه، ذلك الشريان الذي يغذي جذور أرضنا وأرواحنا.  لا شك أن أزمة المياه ونقصانها معاناة تمتد عبر الجغرافيا السورية، تلتهم الأخضر واليابس، وتعيد رسم ملامح الوجود في مناطق كثيرة.

في قرية “الشعيرات” الصغيرة على تخوم درعا، لم يعد بوسع أبو عامر، ذلك الرجل السبعيني الذي عاصر سنوات القحط والخصب، أن يستخرج من بئره العائلية القديمة سوى بضع قطرات مائلة إلى الملوحة، تغلي في قعر الدلو كأنها ترفض الخروج.

البئر التي كانت تروي بستان لوز عائلته لأجيال، صارت أنبوباً يئن من الفراغ. يقول أبو عامر بصوته المبحوح: “الزرع صار يحترق تحت الشمس، والأرض تشققت كما تشقق كفٌّ عجوز. حتى الأشجار المعمّرة بدأت تموت وقوفاً، وكأنها ترفض الرحيل دون كرامة”. هذه ليست مجرد استعارة شاعرية، بل هي واقع ملموس يراه كل من يزور الريف الجنوبي.

التحذيرات من انخفاض منسوب المياه الجوفية بما يتراوح بين 6 و10 أمتار، ليس مجرد حديث عابر. إنه صرخة إنذار تعكس واقعاً كارثياً. فالحفر العشوائي للآبار، والاستجرار الجائر للمياه، وتراجع كميات الأمطار، هي أسباب ذكرها المهندس خالد الياسين، لكنها في الحقيقة أعراض لمرض أعمق: انهيار النظام الإداري والرقابي، وفقدان الخطط الاستراتيجية لإدارة المورد الأكثر حيوية، وتغول الفردية في زمن أصبح الجميع فيه يحفر لنفسه فقط، حتى لو أدى ذلك إلى جفاف الجار.

في بلدة “أبطع” بريف درعا الغربي، تحوّل نهر “الزركان” الذي كان مصدراً للأساطير المحلية وأغاني الحصادين، إلى مجرى شحيح للمياه الملوثة، تحف به أكوام النفايات. تقول أم محمد، وهي امرأة في الخمسين، بينما كانت تملأ وعائين من ماء يشبه اللون البني: “قبل عشر سنوات، كنا نغسل فيه السجاد، وكان الأطفال يسبحون في فصل الصيف. الآن، نحن نشتري الماء للشرب والطبخ، وهذا الذي نملؤه لا يصلح إلا للحيوانات والتنظيف. لكن ماذا نفعل؟ لا خيار لنا”. قصتها ليست فريدة، بل هي جزء من سردية جماعية يعيشها مئات الآلاف من السوريين الذين اضطروا إلى تحويل إنفاقهم المحدود لشراء الماء، في وقت لم يعد فيه الدخل يكفي حتى للخبز.

الأثر البيئي لا يقل خطورة. فانخفاض منسوب المياه الجوفية لا يعني فقط عطش الإنسان، بل يعني تدهور التربة، واختفاء أنواع نباتية محلية، وتغيّر المناخ الدقيق للمنطقة. في ريف درعا الشرقي، حيث كانت حقول القمح تمتد إلى الأفق، أصبحت الأرض متصدعة، والغبار هو السائد. المزارع خالد الزعبي، الذي ورث الأرض عن أبيه وجده، يخبرنا أنه لم يعد يزرع سوى جزء بسيط من أرضه، لأنه ببساطة لا يملك الماء الكافي. “الماء أصبح أغلى من القمح نفسه. الحفرية التي حفرتها كلفتني مبلغاً كبيراً، والمضخة تعمل بالسولار الذي ارتفع سعره أيضاً. النتيجة؟ أنا أعمل فقط لأضمن أن أطفالي لا يجوعون، لكن الأرض تموت شيئاً فشيئاً”.

هذه الأزمة ليست طبيعية بحتة، بل هي نتاج تراكمي لسنوات من الإهمال، وسوء الإدارة، وضعف البنى التحتية، ناهيك عن تأثيرات الحرب التي دمرت شبكات المياه وشردت الخبرات وهجرت الأرياف. الحلول ليست سهلة، لكنها تبدأ بالاعتراف بالكارثة، ووضع خطط عاجلة وطويلة الأمد، بدءاً من تنظيم حفر الآبار، ومروراً بتحديث شبكات الري، وانتهاءً بمشاريع جمع مياه الأمطار وإعادة تأهيل البحيرات والسدود الصغيرة. يحتاج الأمر إلى إرادة سياسية وتعاون مجتمعي، لأن الماء، في النهاية، هو قضية وجود، وليس مجرد مورد.

من درعا، حيث يعاني الناس من العطش والنسيان، تعلو الحكايات، لكنها تظل حبيسة الجدران المتشققة. قد تكون أزمة المياه غير مرئية للعالم الخارجي مقارنة بالدخان والرصاص، لكنها قد تكون السلاح الأبطأ والأكثر فتكاً. فمن دون ماء، لا حياة، ولا زرع، ولا أمل. والآن، هل من مستمع؟

- Advertisement -

- Advertisement -