حمص/ بسام الحمد
بين كروم العنب الممتدة على مساحات شاسعة في ريف حمص، تحكي كل عنقود قصة كفاح مرير لعائلات كرست حياتها لزراعة هذه الثمار التي كانت يوماً مصدر فخر ورفاهية، وأصبحت اليوم مصدراً للهم والقلق. هنا، حيث تمتد حقول العنب الخضراء تحت أشعة الشمس الحارقة، يقف المزارعون عاجزين أمام محصول وفير لا يجد من يشتريه، وأسعار متدنية لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج الباهظة.
لم تكن رحلة العنب هذا الموسم سهلة، فقد عانى المزارعون من تقلبات مناخية قاسية، حيث أتت موجات الحر المبكرة والرياح الشديدة لتحرق الأوراق وتضرر الثمار قبل أن تكتمل نضوجها. يقول رفيق سليمان، مزارع من منطقة دير بعلبة، وهو يمسك بعنقود عنب يانع: “هذا المحصول كان يمكن أن يكون الأفضل منذ سنوات، لكن الحر والرياح أتت على جزء كبير منه، وما بقي لا يجد سوقاً مناسبة”. يضيف رفيق بحسرة: “الأسمدة أصبحت أسعارها خيالية، وأجور العمال ارتفعت بشكل كبير، وأنا الآن أخسر في كل صندوق أبيعه”.
المشكلة لا تقتصر على تدني الأسعار أو ارتفاع التكاليف، بل تمتد إلى غياب منافذ التسويق الخارجية التي كانت يوماً تفتح أسواقاً واسعة لعنب حمص الشهير. في السابق، كان عنب حمص يصدّر إلى العديد من الدول العربية المجاورة، لكن اليوم، تقتصر حركة التسويق على التبادل بين المحافظات السورية، وهو ما لا يكفي لتصريف الكميات المنتجة. أكرم البستاني، تاجر فواكه في سوق المدينة، يؤكد أن “العنب المنتج هذا العام ممتاز الجودة، لكن الأسواق المحلية مشبعة، والمزارعون يتنافسون على بيع منتجاتهم بأسعار متدنية جداً، مما يضر بالجميع”.
في مكتبه المتواضع في الوحدة الإرشادية الزراعية بدير بعلبة، يحاول زهر الدين الياسين تقديم ما يستطيع من دعم للمزارعين. عبر ندوات إرشادية ونشرات زراعية، يحاول فريق الياسين تعليم المزارعين أساليب الري الحديثة وطرق الوقاية من الأمراض، لكنه يعترف أن “الدعم الفني وحده لا يكفي في ظل غياب الدعم التسويقي”. يقول الياسين: “نحن نحاول مساعدة المزارعين على تخفيض التكاليف وتحسين الجودة، لكن الأهم هو تأمين أسواق لتصريف المنتجات، سيواصل المزارعون الخسارة عاماً بعد عام”.
الأرقام الرسمية تتحدث عن إنتاج يقدر بنحو 34 ألف طن من العنب هذا الموسم، مزروعة على مساحة تبلغ 19 ألف هكتار، لكن هذه الأرقام لا تعكس معاناة المزارعين الحقيقية. ففي حين كانت هذه الكميات تشكل في السابق مصدر دخل جيد للعائلات الريفية، أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً على كاهلهم.
في إحدى القرى الصغيرة في ريف حمص، تجلس أم محمد أمام منزلها تحاول فرز عناقيد العنب التي جمعتها اليوم. بعضها تالف بسبب أشعة الشمس، وبعضها لا يزال بحالة جيدة. تقول وهي تمسك بعنقود تالف: “هذا كان يمكن أن يكون مصدر رزقنا لهذا الشهر، لكن الآن لا أحد يريد شراءه حتى بثمن بخس”. تضيف: “أبنائي يعملون يومياً تحت الشمس الحارقة، وفي النهاية لا نحصل إلا على ما بالكاد يكفي لشراء الدواء والطعام الأساسي”.
هذه المعاناة ليست جديدة، لكنها تتفاقم عاماً بعد عام. فبالإضافة إلى التحديات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج، يعاني المزارعون من غياب الدعم الحكومي الفعلي، ومن ضعف البنية التحتية اللازمة للحفاظ على المحصول وتخزينه، ومن صعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية بسبب القيود والحصار.
اليوم، بينما تنضج عناقيد العنب في حقول حمص، ينتظر المزارعون بفارغ الصبر حلولاً حقيقية لأزمتهم. هم لا يطلبون الكثير، فقط أسواقاً لبيع منتجاتهم، وأسعاراً عادلة تغطي تكاليف الإنتاج المتزايدة، ودعماً حقيقياً يمكنهم من الاستمرار في زراعة أرضهم التي ظلوا يعتزون بها لسنوات طويلة.