درعا/ رجاء مختار
في أرياف درعا، حيث موطن امتداد حقول الزيتون والقمح تحت الشمس السورية، تنتعش مهنة عريقة كانت على حافة الاندثار خلال سنوات الحرب. إنها تربية النحل، المهنة التي يعيد فيها النحالون بناء حياتهم من خلايا النحل، وقطرة العسل، والأمل الذي لا يموت.
وليد الزعبي، وهو نحال في الخامسة والخمسين من عمره، يعيد اليوم بناء ما دمرته الحرب. يقول وهو يفحص أحد إطاره الخشبية: “خسرت خلال الحرب 80 خلية من أصل 100، لكنني لم أخسر الأمل. النحل علمني الصبر والعزيمة، فهو يموت دفاعاً عن خليته، لكنه يعود دائماً ليبني من جديد”. ويضيف: “هذه المهنة ليست مصدر رزق فحسب، بل هي جزء من هويتنا وتراث آبائنا وأجدادنا”.
قصة وليد تمثل قصص العشرات من النحالين في المحافظة الذين يعملون على إعادة إحياء هذه المهنة التي تتعافى ببطء لكن بثبات. فبعد أن انخفض عدد الخلايا في المحافظة من أكثر من 50 ألف خلية قبل الحرب إلى أقل من 10 آلاف خلال أسوأ سنوات النزاع، يشهد القطاع اليوم انتعاشاً ملحوظاً، حيث يقدر عدد الخلايا اليوم بأكثر من 30 ألف خلية.
لكن الطريق نحو التعافي ليس مفروشاً بالورود. يواجه النحالون تحديات جمة، من ارتفاع تكلفة المعدات والأدوية البيطرية، إلى تغير المناخ وتأثيره على المراعي الطبيعية، مروراً بضعف الدعم وندرة البرامج التدريبية الحديثة. الأستاذ محمد الحوراني، الخبير الزراعي، يشرح: “النحل في درعا يواقع تحديات وجودية. التغير المناخي أثر على مواسم التزهير، كما أن استخدام المبيدات بشكل عشوائي في بعض المناطق يهدد بكارثة بيئية تنعكس سلباً على القطاع”.
رغم هذه التحديات، فإن العسل المنتج في أرياف درعا يحظى بسمعة طيبة لجودته العالية ونكهته المميزة، وذلك بفضل تنوع الغطاء النباتي في المنطقة الذي يشمل الزعتر والميرمية والزيتون والحمضيات. وتقدر الكمية المنتجة سنوياً بأكثر من 200 طن، يتم تسويق جزء كبير منها محلياً، بينما يصدر جزء آخر إلى المحافظات المجاورة وإلى بعض الدول العربية.
ريم الداوود، إحدى السيدات اللواتي دخلن مجال تربية النحل حديثاً، تقول: “بدأت بخليتين فقط، واليوم لدي 20 خلية. هذا المشروع ساعدني في تأمين دخل لأسنتي وتعليم أبنائي”. وتضيف: “العسل ليس مجعل منتج، بل هو شفاء وبركة”.
الجمعيات التعاونية تلعب دوراً مهماً في دعم القطاع، حيث توفر بعضها القروض الصغيرة للمربين، وتنظم دورات تدريبية، وتساعد في تسويق المنتجات. كما بدأت بعض المبادرات الفردية بالظهور، مثل مشروع “شغف النحل” الذي أسسته مجموعة من الشباب الخريجين، والذين يجمعون بين الطرق التقليدية في التربية والتقنيات الحديثة لتحسين الجودة وزيادة الإنتاج.
تربية النحل في درعا لم تعد مجرد مهنة، بل أصبحت رمزاً للصمود والتحدي، وقصة لإعادة البناء من بين الأنقاض. فمن خلايا النحل الصغيرة، ينسج أهالي درعا خيوط الأمل بمستقبل أفضل، حيث تتحول كل قطرة عسل إلى رسالة تروي قصة أرض ترفض الموت، وشعب يصنع الحياة من رحم المعاناة.