حمص/ بسام الحمد
يطل موسم الزيتون هذا العام على المزارعين بريف حمص وسط سوريا كرحلة صعبة بين الجفاف والشمس الحارقة، رحلة لا هدف لها سوى تأمين أبسط احتياجات الشتاء. أسعار الزيت ارتفعت بشكل كبير، وأصبح الحصول على الزيت عملية شبه مستحيلة إلا بالجهد والصبر، فتتقلص أحلام الغنى ليحل مكانها أمل بسيط في ملء أباريق الزيت بالمؤونة الضرورية. أحمد عبدالله، مزارع في إحدى القرى الصغيرة، يقف بين أشجار الزيتون التي تكاد أوراقها تذبل من شدة العطش، يراقب الثمار الصغيرة ويقول: “في البيت لا نقطة زيت، كل ما نتمناه هذا الموسم هو أن نأمن مؤونتنا.”
يتوجه أحمد نحو المعصرة القريبة، حيث آلات العصر الحديثة تستقبل المحاصيل منذ بداية الشهر العاشر. المشرفون في المعصرة يحرصون على الحفاظ على جودة الزيت، ويؤكدون أن كل شيء يعتمد على نوعية الزيتون نفسه. أحدهم يضيف بابتسامة حذرة: “الزيت الجيد يأتي من الزيتون الجيد، أما الرديء فتخرج منه زيوت حادة الطعم. هذا العام المحصول ضعيف بسبب قلة المطر والجفاف الطويل.” وبينما تتحرك السيارات الصغيرة محملة بالثمار، يشعر المزارعون بضغط الزمن، فالزيتون يحتاج إلى أن يُعصر خلال 48 ساعة للحفاظ على نكهته ومنع التعفنات.
مدير زراعة حمص، محمد نزيه الرفاعي، أشار إلى أن الإنتاج المتوقع لهذا العام يقترب من 59 ألف طن، منها نحو 8 آلاف طن من الزيتون المسقى، و51 ألف طن من الزيتون البعل. المساحة المزروعة تصل إلى 97 ألف هكتار تقريباً، وأكثر من 14 مليون شجرة تنتظر أن تُجنى ثمارها. لكن الواقع يختلف عن الأرقام؛ فالجفاف وانخفاض سقوط الأمطار أديا إلى إنتاجية ضعيفة، وحجم الثمار صغير، ونسبة الزيت أقل من المعتاد. ويعرف المزارعون من خبرتهم أن كل 4 إلى 7 كيلو من الزيتون تعطي كيلو واحد من الزيت، حسب نوعية الثمار وحالتها عند القطاف.
القطاف نفسه يحمل قواعد صارمة. يعرف المزارعون أن الوقت المناسب هو حين تنضج الثمار بنسبة 60%، وأن جمع الثمار المتساقطة مع السليمة يرفع نسبة الأسيد في الزيت. أحمد يمسك الأمشاط تحت الشجرة ويبتسم: “العصا تخرب كل شيء، الشباك والأمشاط أفضل. نضع شبكات بلاستيكية تحت الأشجار لنلتقط الثمار دون أن تتعرض للكدمات.” وبعد القطاف، تعبئة الثمار في صناديق بلاستيكية أو خشبية مثقوبة بالتهوية تعد خطوة حاسمة لضمان جودة الزيت. فاطمة، امرأة خمسينية من قرية تلدو، تروي: “كل سنة أقطف الزيتون مع أولادي. العام الماضي كنا نشكو من قلة الإنتاج، لكن هذا الموسم على الأقل سنملأ براميلنا، لا أكثر.”
أما أصناف الزيتون، فتتنوع بين الصوراني والقيس والخضيري، وأحياناً يظهر صنف النيبالي الحساس الذي لا يُنصح بزراعته. هناك أيضاً أصناف مائدة مثل الجلط وأبو سطل، التي تستهلك مباشرة كثمار وليست للعصر. وفي المعاصر، تتجول المهندسة منيرة العلي، رئيسة لجنة المعاصر، بين الآلات والمزارعين، تراقب جودة الزيت وتتأكد من تطبيق المواصفة القياسية السورية. تجري اللجنة اختبارات على العينات لضمان نزاهة العصر، وتتابع أي مخالفة بالتعاون مع مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ويبلغ سعر العصر هذا العام 400 ليرة للبيرين لصاحب المعصرة، و550 ليرة إذا احتفظ المزارع بالبيرين، ما وصفه المزارعون بالمناسب في موسم الجفاف.
القصص الشخصية هنا تزين واقع موسم الزيتون. في قرية المخرم، الشيخ حسين، الذي تجاوز السبعين، يروي: “أبدأ القطاف مع أول ضوء الشمس، وأحياناً أستعين بأحفادي. هذا الشجر رفاقي منذ طفولتي، وكل موسم يحمل معه ذكريات. نعم، الإنتاج ضعيف، لكن فرحة تأمين المؤونة تبقى كبيرة.” أما ليلى، شابة تدخل عالم الزيتون لأول مرة، فتحدثت عن تجربتها بحماس: “لم أكن أعرف شيئاً عن العصر والقطاف، لكن جدي علمني الصبر والحرص على كل ثمرة. كل قطرة زيت أحصل عليها تشعرني بالفخر، وكأنني أنقل تراث عائلتنا للأجيال القادمة.”
وسط حرارة الشمس وصوت آلات العصر، يظل الأمل موجوداً في كل شجرة زيتون، وفي كل قطرة زيت تنتظر أن تصل إلى المائدة، شاهدة على صبر المزارعين وتفانيهم في زمن شح الموارد. حتى في أصعب الظروف، يظل الزيتون رمز الصمود والكرم في الريف السوري، وتستمر الحكايات بين الأغصان والثمار، بين اليد العاملة والتربة الجافة، كذكرى لكل من يعرف أن الحياة أحياناً تتطلب مجرد قطرة من الصبر لتثمر خيراً.