طرطوس/ اـ ن
في ظل انخفاض منسوب المياه نتيجة قلة الأمطار خلال العام الماضي، برزت مبادرات أهلية في عدد من قرى ريف القدموس لمعالجة أزمة العطش التي تفاقمت في المنطقة، فقد أدى تراجع منسوب مياه نبع الحج حسن، المغذي للقطاع الغربي من مدينة القدموس، إلى صعوبات متزايدة في تلبية احتياجات السكان.
وفي هذا الإطار، بادر سكان قرية الكريم إلى تجميع المياه المتسربة خارج الخزان الرئيسي لنبع الحج حسن، وتركيب غاطسة للاستفادة من المياه المهدورة، وذلك بإشراف مؤسسة المياه في القدموس، في خطوة من شأنها زيادة وتحسين كميات الضخ إلى القرى.
غير أن الأزمة ما زالت تضرب عدداً من القرى الأخرى. فقد اشتكى سكان في ريفي القدموس والشيخ بدر من انقطاع مياه الشرب منذ 23 يوماً، وبينهم سكان قرى: الجماسة القبلية، بسقاية، السعنونية، مزرعة ضهر قبلي، خربة محاسن، الدردارة، الدليبة، عين فطيمة، كاف الحمام، بيت القاضي، وبسطريام. الأهالي أوضحوا أنهم يعانون من العطش الشديد، وأن المسؤولين أرجعوا سبب الانقطاع إلى عطل في غاطسة بئر السعنونية، مشيرين إلى أنهم ساهموا في رفع “البواري” بعد فصل عدد من العاملين، لكن الغاطسة لم تعد للعمل رغم إصلاحها.
وطالب السكان الجهات المسؤولة بالتدخل السريع لإيجاد حل جذري، لاسيما أن تكلفة شراء المياه من القطاع الخاص تصل إلى 200 ألف ليرة، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات.
من جانبها، أكدت مؤسسة مياه طرطوس أن غاطسة السعنونية معطلة بالفعل، وقد تم إرسالها إلى حلب لإصلاحها، مضيفة أنه فور إعادتها سيتم تركيبها وتشغيلها وضخ المياه للقرى المتضررة.
وفي السياق ذاته، انتشرت شكاوى أخرى من سكان قرى ريف القدموس الغربي (بارياحا، التون القرق، خربة القبو)، حيث يعاني الأهالي من انقطاع متواصل للمياه استمر لنحو شهرين كاملين، منذ بداية آذار الماضي حتى الآن. وأوضح الأهالي أنهم يواجهون أعذاراً متكررة من المراقبين والمسؤولين، الذين يبررون الانقطاع بأعطال في مضخات نبع الحج حسن.
السكان أشاروا إلى أن هذه القرى، المصنفة ضمن المناطق النائية، تفتقر إلى موارد بديلة كمياه الينابيع، ما جعلها تعاني “عطشاً حقيقياً”، وسط أوضاع معيشية صعبة، وبطالة واسعة تحول دون شراء المياه من السوق.
وقد دفع هذا الواقع إلى مطالبات متزايدة بمعالجات عاجلة وحثيثة، تشمل حل مشكلات الصرف الصحي في المنطقة، وتأمين خطوط مياه مستقرة ومعفاة من التقنين مستقبلاً، لتغذية ريف طرطوس بأكمله، ولا سيما قرى الجرد التي تعاني شحاً شديداً في المياه.
في المقابل، نجحت جهود أهلية في قرية رام ترزة بريف القدموس في إعادة تشغيل عين صدين لتكون صالحة للشرب والاستخدام بعد نحو أسبوعين من العمل، المبادرة تضمنت تنظيف العين وترميمها، وتزويد الطريق العام بموردين للمياه، أحدهما للشرب والاستخدام المنزلي، والآخر لسقاية الماشية، في خطوة عكست قدرة المجتمع المحلي على إيجاد حلول جزئية لمشكلة شح المياه التي تتفاقم مع قدوم فصل الصيف.
وفي تطور موازٍ، أصدرت مديرية صحة طرطوس تقريراً تحذيرياً بعد تسجيل نحو 40 إصابة بالتهاب الكبد في قريتي حمام واصل وباملاخا. وأوضح التقرير أن نتائج تحليل عينات المياه التي جمعت في 11 أيار الماضي، أظهرت تلوثاً جرثومياً بمياه الصرف الصحي في عين حمام واصل وعين باملاخا ونبع حير، فضلاً عن تلوث “بئر علي خزمة” بصرف حيواني أو أسمدة.
واعتبرت المديرية أن هذه العينات “غير صالحة للشرب ومخالفة للمواصفات القياسية السورية”، في حين بيّنت عينات أخرى مأخوذة من مشروع نبع الحج حسن بعد التعقيم، ومن خزانات مدارس وخزانات منازل، أنها “صالحة ومقبولة للشرب”.
وبين الشكاوى المستمرة، والمبادرات الأهلية الناجحة، والتحذيرات الصحية الرسمية، تبقى أزمة المياه في قرى القدموس وريف طرطوس واحدة من أبرز التحديات المعيشية والإنسانية، بانتظار حلول جذرية ومستدامة من الجهات المعنية.