لكل السوريين

زواج مؤجل.. فتيات درعا بين ذهب يثقل الكاهل ومنزل بعيد المنال

درعا/ رجاء مختار

كما في باقي المحافظات السورية، بات الزواج في درعا حلماً مؤجلاً لدى الكثير من الفتيات بسبب ارتفاع التكاليف التي لم تعد تحتمل. فقد تضاعفت أسعار الذهب حتى صار شراء المحبس أو السوار عبئاً ثقيلاً، وأصبح تجهيز المنزل يتطلب مبالغ طائلة لا تتناسب مع الدخل المتواضع للعائلات.

وفي مجتمع ما زالت فيه التقاليد تفرض على العريس أن يقدّم المهر والذهب والمنزل المفروش، تتضاعف الضغوط على الشبان والفتيات على حد سواء، لتتحول الخطوبة والزواج من مناسبة سعيدة إلى هاجس ثقيل.

الفتيات يجدن أنفسهن في مواجهة معادلة صعبة، بين الرغبة في الاستقرار والارتباط، وبين مطالب اجتماعية تتجاوز إمكانيات أغلب الأسر. بعضهن يقبلن بتنازلات كبيرة، فيكتفين بذهب بسيط أو حفل صغير، بينما يظل شعور النقص يرافقهن أمام مجتمع لا يرحم. آخرون يفضلن الانتظار على أمل أن تتحسن الأوضاع، لكن السنوات تمر، ومعها تتسع دائرة العنوسة وتأخر سن الزواج بشكل لافت.

الأهالي من جهتهم يعيشون ضغوطاً متزايدة، إذ يُطلب منهم تأمين أثاث كامل للمنزل، وأجهزة كهربائية، وغرفة نوم جديدة، وكلها باتت أسعارها مضاعفة بفعل التضخم وانهيار العملة. بعض العائلات تلجأ إلى الأسواق المستعملة، أو تقترض مبالغ ضخمة لا تستطيع سدادها، بينما أخرى تلجأ إلى الأقارب في الخارج لإرسال حوالات تساعد على إتمام الزواج. لكن هذه الحلول المؤقتة لا تُخفي حقيقة أن التكاليف باتت أكبر بكثير من قدرة الناس.

القصص الإنسانية كثيرة وتعكس مرارة الواقع. فتيات في ربيع العمر يرين سنواتهن تذهب بلا زواج، وشبان يعجزون عن خطبة من يحبون بسبب عجزهم عن تأمين منزل أو بضع غرامات من الذهب. بعض الخطوبات تنتهي بالانفصال بعد أشهر بسبب خلافات حول المتطلبات المادية، لتتحول التجربة إلى جرح اجتماعي ونفسي للطرفين.

ومع استمرار هذه الأزمة، يتساءل الناس في درعا عن جدوى التمسك بعادات لم تعد قابلة للتطبيق. أصوات ترتفع مطالبة بتخفيف المهور، والاكتفاء بذهب رمزي وتجهيز بسيط، لكن التقاليد الاجتماعية تظل أقوى من أي مبادرة فردية. وبينما يبقى الأمل معقوداً على حلول اقتصادية تخفف الغلاء، تظل الفتيات أول من يدفع ثمن هذه الأزمة، إذ يواجهن حرماناً من حق طبيعي في الاستقرار وتكوين أسرة.

في المحصلة، قضية الزواج في درعا لم تعد مسألة شخصية بل شأن اجتماعي يهدد تماسك الأسرة والمجتمع. ارتفاع تكاليف الذهب والمنزل والتجهيز جعل الزواج امتيازاً لمن يملك دعماً مالياً كبيراً أو مصادر دخل خارجية، فيما تحوّل لبقية الفتيات والشباب إلى حلم بعيد المنال. وما لم تحدث تغييرات جذرية في النظرة المجتمعية والواقع الاقتصادي، فإن معاناة الفتيات ستبقى مستمرة، تعكس هشاشة الواقع وتحدياته القاسية.

- Advertisement -

- Advertisement -