دمشق/ مرجانة إسماعيل
تحت قباب دمشق وأقواسها العتيقة، تدور معركة صامتة لكنها ضارية، ليست بالرصاص والبارود، بل بعقود الإيجار وأرقام الملايين. لقد تحول البحث عن سقف في العاصمة السورية إلى رحلة محفوفة بالإحباط واليأس، حيث لم تعد أزمة الإيجار مجرد تحدٍ اقتصادي عابر، بل تحولت إلى قصة يومية تعكس عمق الأزمة التي يعيشها السوريون بين عودة قسرية إلى الوطن وحلم عودة حقيقية إلى الحياة الكريمة.
في حي الميدان، يتنقل أبو باسل (50 عاماً)، الذي عاد مع عائلته قبل ثلاثة أشهر من محافظة إدلب بعد سنوات من النزوح. يحمل معه ملفاً ورقياً ممزق الأطراف، بداخله صور عن هويته القديمة وبعض الوثائق، وأوراق بها أرقام هواتف سماسرة وعقارات. يقول أبو باسل، الذي فضّل عدم ذكر اسمه الكامل: “عدنا لأن الحرب هدأت في منطقتنا، لكننا وجدنا حرباً أخرى من نوع مختلف. كل شقة نراها إما أن سعرها خيالي، أو يطلب المالك دفعة مقدمة لمدة سنة كاملة. راتبي كمعلم لا يتجاوز مليون ليرة، وكيف سأدفع ثلاث أو أربع ملايين ليرة دفعة واحدة؟ ثم كيف سأعيش بعدها؟”.
ويضيف وهو يمسح عرقه عن جبينه: “يظن المالكون أن كل عائد جاء محملاً بالدولارات. نعم، عدنا، لكننا عدنا بأمتعة الخوف والفقد، وليس بأكياس المال. نبحث عن استقرار نفقد فيه عناء التنقل، لا أن نبدأ بهموم جديدة تثقل كاهلنا”.
على الجانب الآخر من المدينة، في منطقة أبو رمانة الأكثر رقياً، تواجه سلمى (32 عاماً)، محامية شابة، معضلة مختلفة ولكنها مرتبطة بنفس الأزمة. اضطرت للبحث عن شقة جديدة بعد أن قرر مالك شقتها السابقة بيعها. تقول سلمى: “الصدمة لم تكن فقط في الأسعار التي تضاعفت ثلاث مرات منذ عامين، بل في شروط التعاقد. أصبح من الشائع أن يطلب المالك سعراً بالدولار أو ما يعادله بالليرة حسب سعر السوق يوم الدفع. هذا يجعل تكاليف السكن متغيرة وغير مستقرة، وهو أمر لا يمكن تحمله مع دخل ثابت بالليرة السورية”. وتشير إلى أن المنافسة أصبحت غير عادلة: “تأتي عروض من مغتربين أو منظمات دولية تستأجر بشروط ميسرة، مما يرفع سقف توقعات المالكين ويجعل السوق شبه مستحيل على المقيم الدائم في دمشق”.
في مكتب عقاري متواضع في ساحة الشهداء، يجلس خالد الحلبي (45 عاماً)، الذي يعمل في الوساطة العقارية منذ أكثر من 15 عاماً. يروي من وجهة نظره كيف تحول السوق: “العلاقة بين المالك والمستأجر كانت تقوم على الثقة والاستقرار. اليوم، السوق أصبح سوق مضاربة بحتة. السبب الرئيسي هو قوانين العرض والطلب القاسية. دمشق شهدت عودة أعداد هائلة من النازحين، بالإضافة إلى استقرار نسبي جعلها مركز جذب للقادمين من المحافظات الأخرى. في المقابل، لم تُبنَ مشاريع سكنية جديدة تذكر خلال السنوات العشر الماضية لاستيعاب هذه الأعداد”.
ويشرح خالد الآلية: “المالك الذي يمتلك شقة يشعر أنه أمام فرصة ذهبية لتعويض خسائر السنوات الماضية. عندما يعلم أن هناك عائلة عائدة أو موظفاً في منظمة دولية مهتم بالشقة، يبدأ برفع السعر بشكل عشوائي أحياناً. نحن كوسطاء، دورنا أصبح صعباً، نقف بين رغبة المالك في تحقيق أقصى ربح ويأس المستأجر المحتمل من إيجاد مكان يناسبه”.
تدفع أزمة الإيجارات العديد من الأسر إلى حلول قديمة-جديدة. في حي القصاع، تعيش عائلة آل مرعي في منزل العائلة الكبير، الذي كان يسكنه الأبوان وحدهما. اليوم، يعيش في المنزل ذاته الأبوان مع أبنائهما الثلاثة وعائلاتهم الصغيرة. تقول الأم سعاد (65 عاماً): “بيت كان هادئاً أصبح مكتظاً بأصوات الأطفال والخلافات اليومية الصغيرة. الحب موجود، لكن الضغط النفسي كبير. كل عائلة تنتظر فرصة للانتقال إلى مسكن مستقل، لكن الأسعار تحول هذا الحلم إلى مستحيل”.
هذا الاكتظاظ ليس الحل الوحيد. فالكثيرون، مثل الشاب عبد الرحمن (28 عاماً)، الذي يعمل في مجال التكنولوجيا، اضطر إلى تغيير مكان عمله بحثاً عن سكن. “انتقلت للعيش في بلدة حرستا في ريف دمشق. الإيجار هناك أقل بنسبة 40% تقريباً. لكن الثمن هو ساعتين من التنقل يومياً ذهاباً وإياباً إلى عملي في مركز المدينة، بتكاليف مواصلات وإرهاق بدني كبير. أصبحت حياتي مقسمة بين الطريق والعمل، ولا وقت للراحة أو الحياة الاجتماعية”.
يرى الدكتور معن حمدان، أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، أن أزمة الإيجارات هي عرض لمرض أكبر في الجسم الاقتصادي السوري. ويحلل قائلاً: “هذه الأزمة هي نتيجة تراكمية لعدة عوامل: انهيار القطاع الإنتاجي، وتدني قيمة الليرة السورية، وندرة مواد البناء، وتوقف مشاريع الإسكان الاجتماعي. السوق العقاري يعاني من شح في السيولة الاستثمارية الحقيقية، مما حوله إلى فقاعة مضاربية ترتفع فيها الأسعار دون أن يعكس ذلك قيمة حقيقية”.
ويضيف د. حمدان: “الحلول الترقيعية مثل وضع سقوف للأسعار قد تأتي بنتائج عكسية إذا لم تكن مدعومة بحزمة متكاملة. المطلوب هو سياسة إسكانية واضحة تشمل: تشجيع الاستثمار في الإسكان الاجتماعي: من خلال تقديم تسهيلات ضريبية وائتمانية للشركات التي تتبنى مشاريع سكنية تستهدف ذوي الدخل المحدد.
ويرى ضرورة تنظيم السوق العقاري عبر وضع تشريعات تحمي حقوق الطرفين (المالك والمستأجر) وتحدد آلية واضحة لتحديد الأسعار وتجديد العقود، لمنع الاستغلال. وإعادة إحياء ضواحي المدن: عبر تحسين البنى التحتية والخدمات في الضواحي والمدن الصغيرة المجاورة لدمشق، لتخفيف الضغط عن مركز العاصمة وتشجيع الناس على الاستقرار فيها. ومراقبة السوق السوداء للعملات: التي تلعب دوراً كبيراً في تحديد أسعار الإيجارات المقومة بالدولار بشكل غير رسمي”.
أزمة الإيجارات في دمشق ليست مجرد أرقام تتجاوز الملايين. إنها قصة إنسان يبحث عن أبسط مقومات الحياة الكريمة: الأمان تحت سقف مستقر. إنها قصة عائد يحلم بإعادة بناء ما دمرته الحرب، فيصطدم بجدران اقتصادية قد تكون أعلى من تلك التي سقطت. النزوح قد ينتهي بشكله المكاني، لكنه يستمر بشكل جديد: نزوح داخل المدن نفسها، من المركز إلى الأطراف، ومن الاستقلال إلى الاكتظاظ. حل هذه الأزمة لن يأتي من السوق وحده، بل يحتاج إلى إرادة سياسية واقتصادية تعيد تعريف مفهوم “الوطن” ليس كمكان جغرافي نعود إليه فقط، بل كمكان يمكننا أن نعيش فيه بكرادة وأمل.