حماة/ جمانة الخالد
في قرى ريف حماة الهادئة، لم تعد أصوات خوار الأبقار وثغاء الأغنام تبعث على الطمأنينة كما في السابق. حلّت محلها أصوات السعال المتقطع، وأنين الحيوانات المريضة، وروائح الأدوية والمعقمات التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمربين. فخلال أسابيع قليلة فقط، تحوّل مرض الحمى القلاعية إلى كابوس يهدد أرزاق مئات العائلات، بعد أن تكبد كثيرون خسائر موجعة إثر نفوق رؤوس من ماشيتهم، وسط مخاوف متزايدة من توسع رقعة العدوى لتشمل قرى جديدة.
مأساة المربين… خسائر تتجاوز الأرقام
في قرية السلطانية جنوب ريف حماة، يروي أبو يامن، وهو مربٍ بسيط، قصته بحزن واضح: «خلال أسبوعين فقط فقدت عشرين رأساً من الأغنام. المرض بدأ بتقرحات في الفم، ثم امتنعت الحيوانات عن الأكل وتدهورت حالتها بسرعة، ولم تنجُ إلا قلة قليلة».
لم يعد لدى أبو يامن سوى بعض الأبقار التي يراقبها بقلق كل صباح، مترقباً ظهور أي علامات إصابة جديدة. حالته ليست استثنائية؛ بل تتكرر القصة نفسها في القرى المجاورة، حيث تنتشر العدوى بسرعة تفوق قدرة الفرق البيطرية المحلية على التدخل.
في مصياف، التزم خالد، صاحب مزرعة أبقار صغيرة، بحملة التحصين الأخيرة، لكنه فوجئ بظهور أعراض المرض على بقرتين من قطيعه. يقول: «ربما انتقلت العدوى من حيوانات لم تُحصّن في قرية قريبة، أو بسبب تأخر وصول اللقاح. توقف إنتاج الحليب وحده سبب لنا خسائر يومية كبيرة، فأسعار الأعلاف مرتفعة ولا يمكننا تحمّل توقف الإنتاج».
أما أم ياسر من قرية تل حمدان، فقد كانت خسارتها مؤلمة على الصعيدين الاقتصادي والعاطفي. فقدت العجل الصغير الذي كانت تعتبره «استثمارها الصغير» للمستقبل، كما تعطّل إنتاج الحليب من بقرتها الأم.
«كنا نعتمد على خمسة ليترات من الحليب يومياً، فجأة توقف كل شيء. العجل مات بسرعة، والطبيب جاء متأخراً»، تقول بحسرة، وهي تفكر كيف ستؤمن قوت عائلتها بعد هذه الخسارة.
حملات تحصين محدودة وفجوات مقلقة
مديرية الزراعة في حماة أعلنت أنها أنهت مؤخراً حملة لتحصين نحو 45 ألف رأس من الأبقار ضد الحمى القلاعية، فيما نفذت مديرية الزراعة في دمشق وريفها حملة أخرى استهدفت أكثر من 11 ألف رأس من الأبقار والأغنام والماعز.
لكن هذه الحملات، على أهميتها، لم تصل إلى جميع القرى في الوقت المناسب، خاصة في المناطق النائية التي تعاني من ضعف البنية التحتية وقلة الكوادر البيطرية. كما ساهم ضعف الوعي لدى بعض المربين في تأخر الإبلاغ عن الإصابات، أو رفض استقبال فرق التحصين أحياناً بدافع الخوف أو قلة الثقة.
المرض: عدوى سريعة وتأثير اقتصادي قاسٍ
الحمى القلاعية مرض فيروسي شديد العدوى يصيب الأبقار والأغنام والماعز. ورغم أنه لا ينتقل إلى الإنسان، إلا أن تأثيره على القطاع الزراعي والاقتصاد الريفي كبير جداً. فهو يؤدي إلى:
توقف إنتاج الحليب بشكل مفاجئ.
تراجع معدلات النمو عند الحيوانات المصابة.
نفوق المواليد الصغيرة بنسب مرتفعة.
انخفاض القيمة السوقية للقطعان المصابة.
في القرى السورية التي يعتمد سكانها على تربية الماشية كمصدر أساسي للغذاء والدخل، يمثل انتشار هذا المرض تهديداً مباشراً للأمن المعيشي، وليس مجرد أزمة بيطرية عابرة.
مطالب عاجلة من المربين
أمام هذا الوضع المتدهور، يرفع المربون في ريف حماة جملة من المطالب العاجلة، أبرزها:
توسيع نطاق التحصين ليشمل جميع أنواع الماشية، وليس الأبقار فقط.
إرسال فرق طبية متنقلة قادرة على الوصول السريع إلى القرى البعيدة.
تنظيم أسواق المواشي ومنع اختلاط القطعان القادمة من مناطق موبوءة بأخرى سليمة دون فحص مسبق.
تقديم دعم مالي وتعويضات للعائلات التي فقدت نسبة كبيرة من ماشيتها، لتجنب انهيار موارد رزقها.
خطر الانتشار إلى محافظات أخرى
في محافظة حمص، لم تُسجّل حتى الآن إصابات واسعة، لكن القلق يسود بين المربين خشية انتقال العدوى عبر الأسواق أو حركة المواشي بين المناطق. بعضهم بدأ فعلاً باتخاذ إجراءات احترازية ذاتية، مثل تقليل الاختلاط بين القطعان وإغلاق المساقي المشتركة.
أما في دمشق وريفها، فقد أظهرت الحملات الأخيرة نتائج وقائية جيدة نسبياً، إلا أن الخطر لا يزال قائماً ما لم يتم تشديد الرقابة على تنقل المواشي القادمة من المناطق الموبوءة، خصوصاً في ظل ضعف آليات النقل الصحي البيطري بين المحافظات.
ناقوس خطر… قبل فوات الأوان
ما يجري في ريف حماة اليوم لا يمكن التعامل معه على أنه حادثة محلية معزولة، بل هو جرس إنذار لبقية المحافظات. فالحمى القلاعية ليست مجرد مرض حيواني، بل قضية تمس الأمن الغذائي والاجتماعي لآلاف الأسر الريفية.
التحصين خطوة أساسية، لكنها لن تكفي وحدها إذا لم تُدعّم ببرامج توعية مجتمعية شاملة، ورقابة صحية صارمة، وتنسيق فعّال بين المحافظات، بالإضافة إلى دعم اقتصادي مباشر للمربين المتضررين.
من دون هذه الإجراءات المتكاملة، قد تتحول الأزمة الحالية إلى مأساة طويلة الأمد، يدفع ثمنها الفلاحون الفقراء والاقتصاد الزراعي المحلي معاً.