لكل السوريين

بين الألم والفقر.. السوريون يؤجلون علاج أسنانهم في دمشق

دمشق

تتفاقم مشكلة ارتفاع تكاليف علاج الأسنان في العاصمة السورية دمشق، بشكل يضع الكثير من السكان أمام خيارين صعبين: تحمل ألم ومضاعفات صحية طويلة الأمد، أو دفع مبالغ مالية باهظة تفوق القدرة الشرائية لغالبية العائلات.

ومع تراجع قيمة الليرة السورية، وارتفاع أسعار المواد الطبية المستوردة بالدولار، تحولت العلاجات السنية من خدمة صحية أساسية إلى رفاهية لا يتحمل تكلفتها سوى القادرين مالياً، بينما يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لتأجيل العلاج أو الاكتفاء بالمسكنات.

في عيادة صغيرة في حي الشعلان بدمشق، تواجه ناهد رشيد، أم لطفلين في الثلاثينات من عمرها، خياراً غير مرغوب فيه بعد أن أخبرها طبيب الأسنان أن علاجها لسحب العصب يحتاج إلى ما يقارب 200 ألف ليرة سورية.

وتقول ناهد: “الألم لم يهدأ منذ أيام، لكنني لم أجد المبلغ المطلوب. حتى الحشوة العادية أصبحت تكلف بين 100 و150 ألف ليرة، وهذا يفوق ميزانيتي الشهرية بكثير.” تضيف ناهد أنها منذ أسابيع تعيش على المسكنات فقط، تحاول أن تهدئ الألم إلى حين جمع المال، غير أنها تخشى أن يؤدي التأجيل إلى تعقيدات صحية أخطر.

تكاليف علاج الأسنان في دمشق تتفاوت حسب نوع العلاج والمادة المستخدمة، لكنها تتجه جميعها نحو الارتفاع المستمر. فقلع السن قد يتراوح بين 100 ألف ليرة في الحالات البسيطة، وقد يصل إلى 400 ألف ليرة إذا تطلب الأمر تدخلاً جراحيًا، بينما يصل تكلفة الحشوة المتقدمة إلى 300 – 400 ألف ليرة وفقاً لأسعار العيادات في العاصمة.

أما تنظيف الأسنان الروتيني، الذي كان في السابق أحد أقل الإجراءات تكلفة، فقد تضاعفت أسعاره أيضاً، لتتراوح بين 50 و200 ألف ليرة بسبب ارتفاع تكاليف الكهرباء والمواد المستخدمة في التعقيم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إجراءات التلبيس والتركيبات التجميلية للأسنان باتت بعيدة عن متناول معظم السكان. فعلى سبيل المثال، أسعار تلبيس الأسنان بالزيركون – وهي مادة تجميلية مرغوبة لتميزها في الشكل والمتانة – يمكن أن تصل إلى 400 – 600 ألف ليرة للسن الواحد، في حين أن الزرعات (زرع السن في الفك) تتراوح بين 2 إلى 2.5 مليون ليرة حسب نوع الزرعة والعيادة.

كما أن مشكلة ارتفاع الأسعار ليست مقتصرة فقط على العاصمة دمشق، بل تمتد أيضاً إلى ريفها. في بعض المناطق الريفية، مثل جرمانا والتل، يروي سكان أن علاج قناة الجذر (سحب العصب) للسن الواحد قد يكلف بين 300 و400 ألف ليرة بينما تلبيس السن قد يتجاوز 600 ألف ليرة حسب نوع التيجان والمخبر الذي يُصنع فيها. ويربط الأطباء هذه الارتفاعات بارتفاع أسعار المواد والمستلزمات الطبية المستوردة بالدولار، فضلاً عن ارتفاع أجور المخابر والمواد اللاصقة والإبر المخدرة التي تُستخدم في الإجراءات الطبية.

يتأثر وضع علاج الأسنان في دمشق بشكل كبير باستمرار تدهور الليرة السورية مقابل الدولار، وهو ما يزيد من أعباء الأطباء وأعباء المرضى على حدّ سواء. كثير من المواد المستخدمة في العلاجات شبه المستوردة، وتُشترى بالدولار، ما يجعل تكاليفها مرهونة بتقلبات العملة الأجنبية وسعر الصرف. لهذا السبب يرى بعض الأطباء أن الأسعار المرتفعة أصبحت أمراً لا يمكن تجنبه في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

بالنسبة للكثير من المرضى، تساوي تكلفة علاج سن واحد تقريباً راتب موظف شهري أو أكثر، مما يجعل قرار العلاج قراراً صعباً يتطلب غالباً قروضاً أو مساعدة من الأقارب. سامي الخطيب، موظف حكومي في بداية الأربعينات، يقول: “عندما ذهبت لعلاج قناة الجذر في أحد أسناني، طلبوا مني نحو 250 ألف ليرة. حاولت أن أجد تسهيلات في الدفع، لكن العيادة لم تقبل بخيارات التقسيط. عدت إلى البيت وأنا أشعر بالعجز”.

ويضيف سامي أن التأجيل دفعه إلى تعقيد الحالة الصحية لدرجة أن الألم أصبح يؤثر على نومه ووظيفته.

فوق ذلك، لا توفر معظم التأمينات الصحية في سوريا تغطية لعلاج الأسنان، حيث تعتبرها غالباً خدمات تجميلية أو غير أساسية، مما يضع العبء المالي على المريض مباشرة. في هذا السياق، تقول ريم الطيب، ربة منزل: “حتى لو كان عندي تأمين صحي، لا يغطي علاج الأسنان. عندما يحتاج أحد أولادي إلى حشو أو إزالة سن متضرر، يجب أن أدفع بالكامل من جيبي. هذا شيء يثقل كاهل الأسرة يوماً بعد يوم.”

كما أن ارتفاع الأسعار يدفع بعض المرضى إلى تأجيل العلاج أو تجاهله تمامًا، ما يؤدي إلى تفاقم المشاكل الصحية. يقوم البعض بالاكتفاء بالعلاجات التقليدية أو المسكنات لفترة طويلة، ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل التهاب اللثة أو عظام الفك، وربما الحاجة لاحقاً لإجراءات أعقد وأكثر تكلفة.

وتظهر آثار الأزمة أيضاً في سوق العمل الطبي نفسه، حيث يعاني بعض أطباء الأسنان من رغبة متزايدة في الهجرة، نظراً لصعوبة تأسيس عيادة جديدة وتكاليف المعدات المستوردة المرتفعة، مما يقلل من عدد الأطباء الممارسين ويزيد الطلب على الخدمات المتوفرة، الأمر الذي يرفع الأسعار أكثر.

إن أزمة ارتفاع تكاليف علاج الأسنان في دمشق ليست مجرد مسألة أسعار، بل انعكاس لتدهور اقتصادي أوسع يجعل الخدمات الصحية الأساسية ـ بما فيها صحة الفم والأسنان ـ عبئاً ثقيلاً على المواطنين. ومع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف القدرة الشرائية، يبقى الكثير من السوريين أمام خيارات صحية صعبة، ما بين التحمل بصمت والألم يومًا بعد يوم، أو تحمل فاتورة مالية قد تستنزف مدخراتهم.

في ظل هذا الواقع، يبقى السؤال المطروح: كيف يمكن تحقيق توازن بين جودة العلاج وتكاليفه حتى لا يصبح حق الرعاية الصحية في صحة الفم حكراً على فئة محدودة فقط؟ وهل يمكن للجهات الصحية والمهتمين طرح حلول أو برامج دعم تخفف من وطأة التكاليف على المواطنين؟

 

- Advertisement -

- Advertisement -