لكل السوريين

المياه ضرورة بلا ضوابط… سوق العطش يستنزف سكان ريف درعا

درعا/ رجاء مختار

لم تعد أزمة المياه في ريف درعا، مجرد مشكلة خدمية عابرةً، بل تحولت إلى واقع يومي يفرض نفسه على تفاصيل حياة السكان، وفتح الباب أمام نشوء سوق واسعة لبيع المياه تعمل بلا أي ضوابط أو رقابة. هذه السوق، التي نشأت نتيجة غياب الحلول الرسمية وتراجع دور المؤسسات الخدمية، باتت تتحكم بأحد أبسط حقوق الإنسان، وهو الحصول على المياه، وتحوّل هذا الحق إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب والقدرة المادية.

يعاني معظم سكان ريف درعا من انقطاع شبه دائم للمياه عن الشبكات العامة، وفي حال وصولها فإنها تكون متقطعةً وغير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية. هذا الواقع دفع الأهالي إلى الاعتماد الكامل على شراء المياه عبر صهاريج متنقلة أو من آبار خاصة، بعضها حُفر بشكل عشوائي دون تراخيص أو دراسات فنية. ومع مرور الوقت، توسعت هذه الظاهرة وتحولت إلى سوق قائمة بحد ذاتها، لها تجارها وأسعارها وقوانينها غير المعلنة، في ظل غياب أي جهة تنظمها أو تراقب عملها.

يقول أبو محمود، وهو مزارع من ريف درعا الشرقي: “صرنا نشتري المياه كما نشتري الخبز، بل أحياناً ندفع عليها أكثر. لم نعد نسأل من أين تأتي المياه أو إن كانت صالحةً، المهم أن نملأ الخزان ونكمل يومنا”. هذا التصريح يلخص حجم الأزمة التي دفعت السكان إلى قبول أي مصدر للمياه مهما كانت جودته، نتيجة الحاجة الملحة وعدم وجود بدائل.

أسعار المياه تشكل عبئاً كبيراً على الأهالي، إذ يختلف السعر من منطقة إلى أخرى تبعاً لبعد المسافة ومصدر المياه وتوفر الوقود، لكنه في جميع الحالات مرتفع مقارنةً بدخل السكان. بعض العائلات تضطر إلى تقليص استهلاكها من المياه إلى الحد الأدنى، فتؤجل الغسيل والتنظيف، وتعيد استخدام المياه أكثر من مرة، فقط لتقليل عدد مرات شراء الصهريج.

وتقول أم أحمد، وهي ربة منزل من إحدى قرى الريف الغربي: “أحسب حساب كل ليتر ماء، أخاف أن ينفد الخزان قبل أن نتمكن من شراء صهريج جديد، فالسعر يرتفع فجأةً ولا أحد يسأل عن حال الناس”.

غياب الضوابط لا يقتصر على الأسعار، بل يمتد إلى نوعية المياه نفسها. فالكثير من الصهاريج تنقل مياهًا غير معروفة المصدر، وبعضها يأتي من آبار قريبة من مكبات نفايات أو أراضٍ زراعية تستخدم فيها الأسمدة بكثافة. لا توجد فحوص مخبرية، ولا إشراف صحي، ولا حتى التزام بنظافة الصهاريج أو الخزانات. هذا الواقع يثير مخاوف حقيقيةً من انتشار الأمراض، خاصةً بين الأطفال وكبار السن، إلا أن هذه المخاوف تبقى مؤجلةً أمام الحاجة اليومية للمياه.

يقول أحد سائقي الصهاريج، مفضلاً عدم ذكر اسمه: “نحن نعمل بما هو متاح، لا أحد يحدد لنا شروطاً أو يطلب منا تحاليل. الناس تريد الماء، ونحن نؤمنه لهم”. هذا التصريح يكشف جانباً آخر من المشكلة، حيث يعمل البائعون ضمن فراغ قانوني كامل، دون معايير واضحة أو التزامات محددة، ما يجعل السوق مفتوحةً على الفوضى والاستغلال.

إلى جانب الأثر الصحي، تركت هذه السوق آثاراً اجتماعيةً واقتصاديةً واضحةً. فقد أصبحت المياه بنداً ثابتاً في ميزانية الأسرة، يتقدم أحياناً على بنود أخرى كالغذاء أو التعليم. بعض العائلات اضطرت إلى الاستدانة لتأمين المياه، فيما لجأت عائلات أخرى إلى حفر آبار خاصة رغم كلفتها العالية، ما زاد من استنزاف المياه الجوفية وعمّق المشكلة على المدى الطويل.

في ظل هذا الواقع، يشعر كثير من الأهالي بأنهم متروكون لمصيرهم. المجالس المحلية، إن وجدت، تعاني من ضعف الإمكانيات وقلة الموارد، ولا تمتلك القدرة على ضبط السوق أو فرض تسعيرة عادلةً أو مراقبة الجودة. أما الجهات الرسمية، فينظر إليها السكان على أنها غائبةً أو عاجزةً عن تقديم حلول حقيقيةً، ما يعزز حالة فقدان الثقة ويكرس الاعتماد على الحلول الفردية.

رغم ذلك، ظهرت محاولات محدودة من بعض المجتمعات المحلية للتخفيف من حدة الأزمة، عبر تقاسم المياه أو تنظيم دورات تعبئة بين الجيران، لكنها تبقى حلولاً مؤقتةً لا تعالج أصل المشكلة. ويقول شاب من ريف درعا الشمالي: “نساعد بعضنا قدر المستطاع، لكن المشكلة أكبر من طاقتنا، نحن بحاجة إلى تنظيم حقيقي وليس اجتهادات فرديةً”.

سوق بيع المياه في ريف درعا تعكس صورةً أوسع عن التحديات التي تواجه المنطقة، حيث تتقاطع الأزمات الخدمية والاقتصادية والبيئية لتنتج واقعاً معقداً. استمرار هذا السوق دون ضوابط ينذر بمزيد من الاستغلال، وتفاقم المخاطر الصحية، واستنزاف الموارد المائية، ما يهدد مستقبل المنطقة وسكانها.

وفي ظل غياب تدخل جاد ينظم هذا القطاع ويعيد للمياه مكانتها كحق أساسي، سيبقى الأهالي عالقين بين الحاجة اليومية والخوف الدائم من الغد، يدفعون ثمناً لأزمة لم يكونوا سبباً في صنعها.

- Advertisement -

- Advertisement -