دمشق/ مرجانة اسماعيل
في ظل التحول الرقمي السريع الذي تشهده سوريا، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس اليومية، ليس فقط للتواصل الاجتماعي والترفيه، بل أيضاً كبوابة للبحث عن الوظائف وفرص العمل.
لكن ما يبدو في البداية نافذة أمل، يتحول أحياناً إلى فخ خطير، حيث يستغل المحتالون حاجة الباحثين عن عمل ويأسهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة، عبر نشر إعلانات وظائف مزيفة.
هالة، خريجة كلية الإعلام من جامعة دمشق، تروي تجربتها: “كنت أبحث عن فرصة عمل تساعدني على تحمل مصاريف المنزل، فوجدت إعلاناً على إحدى صفحات الفيسبوك يطلب موظفة تسويق لشركة دولية، وأكدت صاحبة الإعلان أنها تستطيع تأمين وظيفة لي مقابل رسوم بسيطة. بعد أن دفعت المبلغ المطلوب، اختفت كل الوسائل التي تربطني بها، وأغلقت الحسابات والهواتف”.
من جانبه، يوضح المهندس فراس أيوب، خبير الأمن السيبراني من ريف دمشق، أن انتشار الاحتيال الوظيفي على الإنترنت أصبح ظاهرة عالمية، مستفيداً من أدوات الذكاء الاصطناعي.
ويقول المهندس: “يقوم المحتالون باستخدام خوارزميات متقدمة لإنشاء إعلانات وظائف تبدو مقنعة وواقعية، مع مراعاة الاختلافات اللغوية والثقافية، حتى تجعل الضحية تصدق أنها فرصة حقيقية. هذه الأدوات تمكنهم أيضاً من إنشاء مواقع وصفحات مزيفة، وسرقة هوية المستخدمين رقمياً وأموالهم بسهولة”.
ويشير أيوب إلى أن طرق الاحتيال متعددة، منها “بيع الوهم”، حيث تُعرض وظائف بأجور مغرية وشروط مرنة لجذب أكبر عدد ممكن من المتقدمين، ثم يُطلب منهم دفع رسوم للتسجيل أو التدريب، أو حتى “مصاريف السفر والتأشيرات” لوظائف وهمية في الخارج، كما أن بعض المحتالين يستغلون المتقدمين مجاناً، عبر تكليفهم بمهام ومشاريع تحت مسمى “اختبار قبول”، ثم يستخدمون هذا العمل دون دفع أي مقابل.
ولفت أيوب إلى علامات تحذيرية يمكن من خلالها كشف الإعلانات الوهمية، منها الرسائل المُلحة التي تحث على الإسراع في التقديم، رسائل البريد الإلكتروني غير الاحترافية التي تحتوي على أخطاء إملائية، صفحات التواصل الاجتماعي التي أنشئت حديثاً ولا تحتوي على معلومات واضحة، والمواقع الإلكترونية التي لا تستخدم بروتوكول الاتصال المشفر (HTTPS)، ما يعرض البيانات الشخصية للخطر.
أما من الناحية الاجتماعية والنفسية، فتقول الاختصاصية الاجتماعية والنفسية ريم عبد الله من دمشق: “الخسائر لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تشمل الضرر النفسي. يشعر الضحايا بالإحباط وفقدان الثقة في أنفسهم وفي أي فرصة أخرى، ويختلط لديهم الشعور بالخذلان بالغضب على منصات التوظيف. هذه التجارب تؤدي إلى تآكل الثقة رقمياً وتقوض الاقتصاد رقمياً بشكل عام”.
الأسباب الكامنة وراء هذا الانتشار واضحة، بحسب فراس أيوب، الذي يشير إلى سهولة النشر على منصات التواصل الاجتماعي وانعدام الرقابة، ما يتيح للمحتالين الوصول إلى عدد كبير من الناس بسرعة وبتكلفة منخفضة. وأضاف: “البطالة والفقر يزيدان من اليأس لدى الباحثين عن عمل، ويجعلهم أكثر عرضة للوعود الوهمية والإغراءات المالية السريعة”.
ضعف الوعي الرقمي هو عامل آخر مهم، خاصة بين الشباب، الذين يفتقرون أحياناً إلى الخبرة الكافية للتعرف على علامات الإعلانات الوهمية. يحذر أيوب من الانجرار وراء عروض مغرية دون التحقق من مصداقية المصدر أو الجهة المعلنة، مؤكداً أن أي شركة شرعية لا تطلب أموالاً مقابل التقديم على وظيفة.
في ريف دمشق، يعيش محمد، مهندس مدني من دوما، تجربة مشابهة، حيث قدم طلباً لوظيفة على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي، وكانت الوظيفة تبدو مناسبة ومجزية، لكن بعد أسابيع اكتشف أنها مجرد خدعة. يقول محمد: “أضعت وقتاً طويلًا ومالاً على شيء لم يكن حقيقياً، شعرت بخيبة أمل كبيرة، وأصبح من الصعب عليّ الثقة بأي إعلان على الإنترنت”.
يبقى الحل في رفع الوعي الرقمي بين الشباب وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات قبل الإقدام على أي خطوة مالية أو تقديم بيانات شخصية. كما يجب على الجهات المعنية تعزيز الرقابة على منصات التواصل الاجتماعي ومحاسبة المحتالين لضمان بيئة رقمية أكثر أماناً.
إن واقع الوظائف الرقمية في دمشق وريفها يوضح أن التحديات رقمياً أصبحت حقيقية ولا تقل خطورة عن التحديات الاقتصادية، وأن حماية الباحثين عن العمل تتطلب وعيًا جماعياً ومهارات رقمياً متقدمة، لتجنب الوقوع في فخ الوظائف الوهمية.