الرقة – غادة علي
برزت تجربة المرأة في المؤسسات القضائية ودواوين العدالة الاجتماعية التابعة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وتحولت إلى واحدة من أبرز التحولات التي شهدها قطاع العدالة خلال السنوات الأخيرة.
فقد أسهم مشروع الإدارة الذاتية، القائم على مبدأ الشراكة والمساواة بين الجنسين، في فتح المجال أمام النساء للانخراط الفعلي في العمل القضائي، ليس بوصفهن عنصراً مكملاً، بل كشريكات أساسيات في صناعة القرار وتحقيق العدالة.
بعد عقود طويلة من التهميش والإقصاء عن مواقع التأثير، استطاعت المرأة، من خلال مؤسسات الإدارة الذاتية، أن تثبت حضورها في بنية القضاء والعدالة الاجتماعية، وأن تقدم نموذجاً مختلفاً يعتمد على العدالة التصالحية التي توازن بين النص القانوني والبعد الاجتماعي والإنساني، بما يخدم استقرار المجتمع والسلم الأهلي.
تجاوز الحضور الشكلي
لم تقتصر مشاركة المرأة في مؤسسات العدالة التابعة للإدارة الذاتية على الجانب الشكلي أو الرمزي، بل تجسدت في دور عملي ومؤثر في معالجة القضايا المجتمعية، ولا سيما قضايا الأسرة والأحوال الشخصية والنزاعات الاجتماعية. وأسهم هذا الحضور في إدخال مقاربات جديدة أكثر شمولاً وإنصافاً، عززت ثقة المجتمع بدور المرأة وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في مسار العدالة.
وتبرز أهمية هذه التجربة في كونها أعادت تعريف دور القضاء بوصفه أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وليس مجرد مؤسسة لتطبيق القوانين، وهو ما يتقاطع مع فلسفة الإدارة الذاتية التي تضع المجتمع واحتياجاته في صلب العملية العدلية.
ويكتسب دور المرأة في المجال القضائي ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية طابعاً حيوياً ومتعدد الأوجه، فالقاضيات والمحاميات وعضوات هيئات النيابة ودواوين العدالة الاجتماعية يساهمن في تعزيز مبادئ العدالة والمساواة، وتقديم رؤى مختلفة في تفسير القوانين وتطبيقها، إضافة إلى دورهن في مكافحة الفساد والحد من شبكات التواطؤ، خاصة في المواقع القيادية.
كما يشكل وجود المرأة في السلك القضائي مصدر إلهام للفتيات والنساء، ويعزز ثقة المجتمع بالنظام القضائي من خلال تمثيل مختلف فئاته، ويساعد على التعامل مع القضايا الحساسة، ولا سيما قضايا الأسرة، بكفاءة أعلى، انطلاقا من خبرات النساء ومعرفتهن العميقة بالسياقات الاجتماعية والنفسية لهذه القضايا.
وفي هذا الإطار، تسهم المرأة أيضاً في تطوير النظام القانوني عبر تقديم منظور أوسع يضمن أن تخدم القوانين المجتمع بأسره، لا نصفه فقط، وأن تحقق العدالة بين الجنسين، وتكفل وصول النساء إلى حقوقهن القانونية والشرعية.
شهادات
وأكدت قاضية النيابة في الرقة، إخلاص علي، في تصريح لصحيفة “السوري”، أن تجربتها في مؤسسة القضاء ودواوين العدالة الاجتماعية التابعة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أظهرت أن المرأة تعمل جنباً إلى جنب مع الرجل في جميع القضايا الاجتماعية المعروضة، سواء تلك المتعلقة بالابتزاز أو جرائم القتل أو الانتحار أو الدعارة، إضافة إلى مختلف القضايا الجنائية.
وأشارت إخلاص إلى أن المرأة اليوم أصبحت فاعلة في مختلف مؤسسات الإدارة الذاتية، وفي المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بعد أن كانت مهمشة في مراحل سابقة.
ولفتت إلى الدور المهم الذي تؤديه القاضيات في قضايا الأحوال الشخصية، لقدرتهم على فهم التفاصيل الدقيقة بشكل أعمق، مؤكدة أن تفعيل دور المرأة في أقسام الصلح يحقق المصالح الشرعية والاجتماعية ويسهم في حل النزاعات برضا الأطراف.
كما شددت على أن وجود القاضيات والقيادات النسائية ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية يشكل حافزاً للفتيات والنساء للتوجه نحو العمل في المجال القانوني والقضائي.
حضور متزايد رغم التحديات
من جهتها، أوضحت الرئاسة المشتركة لمجلس العدالة في الرقة والطبقة، فاطمة الموسى، في تصريح لصحيفة “السوري”، أن دور المرأة في الأعمال القضائية ضمن الإدارة الذاتية يبدأ من وجودها في هيئة النيابة العامة، ويمتد إلى هيئات ديوان العدالة المدنية والجزائية، وصولاً إلى تأسيس هيئة المقاصة ضمن المجلس الأعلى الاجتماعي.
وأشارت فاطمة الموسى إلى أن نسبة تواجد المرأة في مجلس العدالة الاجتماعية في الرقة ارتفعت بنسبة 50% مقارنة بالفترات السابقة، وهو ما يعكس سياسة الإدارة الذاتية الداعمة لتمكين المرأة في المؤسسات العدلية.
وفي المقابل، لفتت إلى التحديات التي واجهت المرأة العاملة في القضاء، وفي مقدمتها العقلية الذكورية والأعراف الاجتماعية التي لا تزال ترفض أو تقلل من شأن وجود المرأة في هذا المجال، إضافة إلى حالات الاستهزاء بدورها، رغم قدرتها المثبتة على النجاح وتحمل المسؤولية.
وأكدت فاطمة الموسى أن المرأة قدمت، ولا تزال، أفكاراً وحلولاً مبتكرة لمعالجة العديد من القضايا، وأن المرحلة الحالية أثبتت عدم إمكانية الاستغناء عنها، خاصة في القضايا المتعلقة بالمرأة وحقوقها.
كما نوهت إلى وجود نقص في عدد الكوادر النسائية العاملة في المجال القضائي، مشيرة إلى أن الإدارة الذاتية تعمل على تهيئة بيئة أكثر استقطاباً للنساء، بعد أن أثبتن ضرورة حضورهن في القضايا التي تخص المرأة، سواء من حيث النظر فيها أو ضمان حصولها على حقوقها الشرعية والقانونية، في ظل محاولات سابقة للانتقاص من هذه الحقوق.
تجربة تحمل دلالات أوسع
وتعكس تجربة المرأة في مؤسسات القضاء ودواوين العدالة الاجتماعية التابعة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا توجها واضحا نحو ترسيخ مبدأ المشاركة المتساوية بين الرجل والمرأة، وتعزيز دور السلطة القضائية في تحقيق العدالة بين الجنسين وضمان الوصول العادل إلى القضاء.
كما تفتح هذه التجربة الباب أمام الاستفادة من النماذج العالمية والإقليمية التي تؤكد أهمية وجود المرأة في السلك القضائي، وتدعو إلى تقييم واقع المرأة العربية في هذا المجال، واقتراح سياسات عملية لتمكينها، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن تمكين المرأة يشكل ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء مجتمع ديمقراطي متوازن.