أعاد استهداف مواقع تابعة لمقاتلين أجانب في ريف إدلب، خلال الأيام الماضية، ملف هذه المجموعات إلى واجهة المشهد السوري، ليبرز مجددًا كواحد من أكثر الملفات تعقيدًا أمام السلطة الجديدة، في ظل محاولات إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، والتعامل مع ضغوط داخلية وخارجية متشابكة.
فالوجود الأجنبي المسلح في سوريا، الذي نشأ خلال سنوات الحرب الطويلة، لم يعد مجرد ملف عسكري، بل تحول إلى قضية أمنية وسياسية ترتبط بمستقبل الاستقرار الداخلي، وعلاقة دمشق مع المجتمع الدولي، وطبيعة المؤسسة العسكرية التي تسعى الدولة إلى تشكيلها.
وبينما تطالب أطراف دولية بإبعاد هذه المجموعات أو تفكيكها، ترى دمشق أن التعامل مع الملف يحتاج إلى مقاربة تدريجية تمنع خلق فراغ أمني قد تستفيد منه تنظيمات متشددة، خصوصًا أن عددًا من هؤلاء المقاتلين شاركوا في المعارك ضد نظام الأسد قبل سقوطه، وأصبحوا جزءًا من الواقع الميداني خلال السنوات الماضية.
ضربات إدلب تعيد الملف إلى الواجهة
جاءت الضربات التي استهدفت مواقع مرتبطة بمقاتلين من أصول أجنبية في ريف إدلب لتعيد التساؤلات حول مستقبل هذه المجموعات.
وبحسب مصادر محلية، تعرضت مواقع في ريف جسر الشغور شمال غربي سوريا لاستهدافات جوية يُعتقد أنها نُفذت من قبل قوات التحالف الدولي، طالت أفرادًا ومقرات مرتبطة بمجموعات أجنبية.
ورغم عدم وضوح حجم الخسائر بشكل كامل، فإن هذه العمليات أعادت النقاش حول استمرار وجود هذه التشكيلات المسلحة، ومدى قدرة الدولة السورية على دمجها أو ضبطها ضمن إطار رسمي.
من هم المقاتلون الأجانب في سوريا؟
يقصد بالمقاتلين الأجانب كل من دخل الأراضي السورية وشارك في العمليات العسكرية دون أن يحمل الجنسية السورية، سواء ضمن تنظيمات مسلحة أو فصائل مختلفة.
وخلال أكثر من عقد من الحرب، شهدت سوريا تدفق آلاف المقاتلين من جنسيات متعددة، انضم بعضهم إلى تنظيمات متطرفة مثل “داعش”، بينما شارك آخرون ضمن فصائل المعارضة أو مجموعات قاتلت إلى جانب النظام السابق.
أما اليوم، فقد تغير المشهد بشكل كبير بعد انتهاء مرحلة المعارك الواسعة، وتراجع نفوذ التنظيمات العابرة للحدود، مع بقاء مجموعات محدودة تتركز بشكل رئيسي في شمال غربي البلاد.
وتضم هذه المجموعات مقاتلين من أصول إيغورية وآسيوية وسطى، إضافة إلى جنسيات عربية وأجنبية أخرى، وسط تقديرات متفاوتة لأعدادهم بسبب غياب إحصاءات دقيقة.
سياسة الاحتواء بدل المواجهة
تواجه الحكومة السورية معادلة صعبة في التعامل مع هذا الملف؛ فمن جهة هناك مطالب دولية بإعادة تنظيم وجود هذه المجموعات وإنهاء أي تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، ومن جهة أخرى توجد مخاوف من أن يؤدي الإقصاء المفاجئ إلى دفع بعض العناصر نحو العمل السري أو الالتحاق بتنظيمات متشددة.
وتقوم المقاربة السورية الحالية، وفق ما تعلنه دمشق، على محاولة استيعاب هؤلاء ضمن مؤسسات الدولة، مع إخضاعهم للقوانين والأنظمة العسكرية.
وفي هذا السياق، جرى الحديث عن إعادة تنظيم عدد من العناصر ضمن تشكيلات عسكرية رسمية، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بالقواعد العسكرية وعدم القيام بأي أعمال خارج سلطة الدولة.
ويرى مراقبون أن إدماج المقاتلين ضمن مؤسسات رسمية قد يكون أقل خطورة من تركهم خارج الرقابة، حيث يصبحون خاضعين للمحاسبة والانضباط العسكري.
مخاوف دولية من بقاء مجموعات مسلحة
رغم توجه دمشق نحو الاحتواء، لا تزال بعض الدول تنظر إلى وجود مقاتلين أجانب في سوريا باعتباره مصدر قلق أمني، خصوصًا مع امتلاك بعض هذه المجموعات خبرات قتالية طويلة وارتباط بعضها سابقًا بأفكار وتنظيمات عابرة للحدود.
وتخشى هذه الأطراف من احتمال تحول أي فراغ أمني إلى فرصة لإعادة تنشيط جماعات متشددة، أو استخدام الأراضي السورية كنقطة انطلاق لأنشطة تهدد دول المنطقة.
في المقابل، يرى مؤيدو سياسة الدمج أن الحل الأمني وحده قد لا يكون كافيًا، وأن إنهاء الملف يحتاج إلى مسار قانوني ومؤسساتي يضمن السيطرة على السلاح ومنع الفوضى.
تجارب سابقة تكشف صعوبة الملف
شهدت السنوات الماضية حوادث أظهرت أن ملف المقاتلين الأجانب لم يكن محسومًا بالكامل، إذ ظهرت خلافات بين بعض المجموعات والسلطات الجديدة حول مسألة الاعتراف بسلطة الدولة أو طبيعة عمل هذه التشكيلات.
وتشير هذه الحوادث إلى أن التعامل مع الملف يحتاج إلى توازن دقيق بين فرض سيادة الدولة وتجنب خلق مواجهات جديدة قد تزيد من تعقيد المشهد الأمني.
خيارات مفتوحة أمام دمشق
يضع المختصون عدة سيناريوهات أمام الحكومة السورية، أبرزها استمرار سياسة الدمج التدريجي ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية، مع رفع مستوى الرقابة ومنع وجود تشكيلات مستقلة.
كما يبرز خيار منح بعض العناصر أوضاعًا قانونية مدنية تسمح لهم بالاندماج في المجتمع، مقابل إنهاء أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة.
لكن التحدي الأكبر يبقى في كيفية تحقيق هذا الانتقال دون إثارة توترات داخلية أو فتح الباب أمام عودة نشاط الجماعات المتشددة.
ملف يحتاج إلى وقت
يبقى ملف المقاتلين الأجانب في سوريا من أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، لأنه يجمع بين اعتبارات الأمن والسياسة وإعادة بناء الدولة.
وبين الضغوط الدولية والمخاوف الداخلية، تبدو دمشق أمام اختبار صعب: الحفاظ على الاستقرار، وضبط السلاح، وتحويل مجموعات مسلحة تشكلت خلال الحرب إلى عناصر خاضعة لمؤسسات الدولة.
فالنجاح في إدارة هذا الملف قد يكون أحد المؤشرات الأساسية على قدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة بناء المؤسسات.