القنيطرة/ رجاء مختار
يجلس مزارع من قرية الطيبة شرقي القنيطرة، اسمه غازي الحوراني (55 عاماً)، على عتبة مزرعته المطلة على خط التماس، يحدق في الصفائح الفارغة حيث كانت أشجار الزيتون يوماً ما، ويقول بصوتٍ يختنق بين الأمل والخوف: “سمعنا أن هناك كلاماً بين دمشق وتل أبيب عن انسحاب إسرائيلي، وأحياناً يُقال إن الأجواء إيجابية، لكن سنواتٍ من الانكسارات علمتنا ألا نفرح قبل أن نرى الجنود يغادرون، وإلا سنعود لننام ونصحو على مآسٍ جديدة”.
هذه الحيرة تمثل المزاج العام في القنيطرة: مزيج من الترقب لطيف أمل وحذرٍ عميق مبنيّ على تجارب السنوات الأخيرة. وفي الأسابيع الماضية تزايدت الأحاديث الإعلامية والدبلوماسية عن مفاوضات ومبادرات، لكن على الأرض استمرت الحوادث: نقاط تفتيش مؤقتة، غارات، وعمليات اقتحام تُذكّر السكان بأن أي تراجع ميداني مؤقت لا يساوي ضمانات طويلة الأمد للحياة والعودة.
في سوق مدينة القنيطرة يتبادل التجار الحكايات عن عائلات نزحت مؤقتًا وأخرى فقدت أراضيها أو لم تعد تملك الحرية في الوصول إلى آبارها ومراعيها. تقول أم هشام، بائعة خضار، إن أهل الحي لا يريدون “اتفاقات إعلامية” بل طمأنة عملية: فتح الطرق، رفع الحواجز، وإلغاء نقاط المراقبة التي تُفصل بين قريتين شقيقتين.
كما يعبر كثيرون عن مطلب هو أقل إثارة للسياسة من حيث كونه إنسانياً: تأمين وصول المزارعين إلى أراضيهم وحمايتهم من الاعتقالات والاحتجازات التي سجلت في عدد من المرات خلال العام. الحوادث المتكررة تجعل الشارع في حالة يقظة مستمرة، إذ يشعر الناس أن أي حديث عن تقدم دبلوماسي لا يزال هشًا ولا ينعكس فعليًا على تفاصيل حياتهم اليومية.
على مستوى الخطاب الرسمي، تكرر دمشق موقفها القاضي بضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل التوغلات الأخيرة ورفض أي وضع يكرس وجوداً دائماً على الأراضي السورية، فيما تصر إسرائيل على ضمان “مناطق منزوعة السلاح” وفرض قيود أمنية واسعة في جنوب سوريا، مع تهديد بعدم السماح بوجود عناصر تعتبرها مهددة لأمنها.
التصريحات المتبادلة أظهرت تبايناً كبيراً في الشروط؛ دمشق تطالب بالانسحاب الفوري وتحديد آليات رقابة دولية إن تطلّب الأمر، بينما تطرح إسرائيل اشتراطات أمنية معقدة تجعل الاتفاق مرهونًا باعتبارات تتجاوز حدود القنيطرة. هذا التباين يجعل مسار التفاهمات هشاً ويعزّز مخاوف المدنيين من أن يتحول أي اتفاق إلى تسوية أمنية لا تأخذ في الاعتبار احتياجاتهم الأساسية.
التحركات الدولية التي برزت مؤخراً، مثل انتشار عناصر المراقبة من قوات الأمم المتحدة ورفع أعلامها على مواقع قرب خطوط التماس، بدت للكثيرين إشارة إلى تدخل دولي قد يساهم في تخفيف التوتر. لكن السكان يرون أن الوجود الدولي وحده لا يكفي، إذ إن الاحتياجات على الأرض لا تتوقف عند مراقبة خطوط الفصل. الناس يطالبون بخطط لإزالة الألغام، وإصلاح شبكات المياه والطرق، وتعويض المزارعين عن سنوات الخسارة، وإعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية التي أصابها الإهمال. بالنسبة لأهالي القنيطرة، أي انسحاب لا يرافقه تحرك حقيقي لإعادة الإعمار سيظل خطوة غير مكتملة.
المزارع الشاب مروان النعيمي، الذي ورث قطعة أرض صغيرة قرب مسار الدوريات، يقول إنه لا يريد وعوداً سياسية بل قدرة على الزراعة من جديد. يخشى مروان أن تُربط أي اتفاقية بتفاهمات إقليمية معقدة لا تعطي أولوية لحق السكان في العودة الكاملة إلى أراضيهم، فالتجارب السابقة في مناطق سورية أخرى أظهرت أن غياب الضمانات القانونية قد يجعل العودة شكلية وغير مضمونة. ويخشى الأهالي أن تتضمن التفاهمات ترتيبات أمنية مشددة تحد من حركة المدنيين أو تبقي جزءاً من طرق التماس تحت إشراف مباشر، ما يفرغ أي انسحاب من مضمونه.
شباب القنيطرة، الذين يحملون ذكريات طفولتهم في حقول التفاح والخوخ، ينظرون إلى اللحظة الراهنة بقدر من التفاؤل المشوب بالحذر. بعضهم يرى أن التفاوض، إن تم بجدية، قد يكون فرصة لفتح صفحة جديدة تسمح بتنمية اقتصادية محلية. يتحدثون عن مشاريع صغيرة، قروض ميسرة، ومبادرات لتوفير فرص عمل يمكن أن تخفف من موجة الهجرة المتزايدة. لكنهم يشددون على أن كل هذه الطموحات لا يمكن أن تُبنى على أساس مهتز؛ فلا اقتصاد بلا استقرار، ولا استقرار بلا ضمانات سياسية واضحة تضمن عدم تجدد التوتر أو عودة التوغلات.
وسط هذا المشهد المعقد، تشعر العائلات بأن الوقت يمر ببطء ثقيل. كثيرون ينتظرون أن تتضح ملامح ما يُحكى عنه من “أجواء إيجابية”، لكن القلق يغلب على الأمل. ما يطلبه السكان ليس حلًا مثاليًا، بل حلًا واقعيًا يحفظ أمنهم وحقهم في أرضهم وقدرتهم على الحركة دون خوف. فالقنيطرة التي عاشت عقوداً بين الحرب والتهجير والعودة الناقصة تريد هذه المرة حلاً لا يعلّق مصيرها على مزاج التوترات الإقليمية.
يعيش أبناء القنيطرة حالة انتظار طويلة، تتأرجح بين رغبتهم في استعادة أرضهم كاملة وبين شكوكهم التي صنعتها سنوات من التعقيد. هم لا يبحثون عن اتفاق سياسي بقدر ما يبحثون عن حياة طبيعية: طرق مفتوحة، أرض مزروعة، بيوت آمنة، وأطفال لا يخافون من أصوات الطائرات. وبين ما يُقال في القاعات المغلقة وما يُعاش على الأرض، يبقى الأمل قائماً لكنه يحتاج إلى خطوات واضحة تُثبت أن هذه المرة مختلفة، وأن صوت الناس سيُسمع أخيراً فوق ضجيج التفاهمات العسكرية والسياسية.