لكل السوريين

بعد أكثر من عقد على مجزرة الشعيطات.. عائلات دير الزور تستحضر المأساة وتتمسك بالذاكرة

مر أكثر من عقد على مجزرة الشعيطات، لكن الذكرى ما زالت حاضرة بكل تفاصيلها المؤلمة، في مثل هذه الأيام من عام 2014، ارتكب تنظيم “داعش” مجزرة بحق أبناء عشيرة الشعيطات في ريف دير الزور الشرقي، لتبقى جراحها مفتوحة في قلوب الناجين وذوي الضحايا.

لم يكن يتخيل أحد في ذلك الوقت أن خروجه، ضمن مئات العائلات الفارة من بلدة الكشكية بريف دير الزور نحو القرى المجاورة، سيقودهم إلى الاقتراب أكثر من الموت، لم يعلم سكان الكشكية حينها أن بعضاً منهم سيكونون ضمن ضحايا واحدة من أبشع المجازر التي شهدتها المنطقة، والتي ارتكبها التنظيم في صيف 2014.

واضطرت مئات العائلات لترك بلدات الشعيطات بعد أن قرر مقاتلو العشيرة، الذين وقفوا ضد التنظيم في ذلك الوقت، الانسحاب عقب معارك استمرت 14 يوماً، فرض خلالها التنظيم حصاراً خانقاً على السكان.

مجزرة خلّفت أرامل وأيتاماً
في منتصف آب/ أغسطس 2014، أصدر “أمراء” تنظيم “داعش” فتوى تقضي بقتل الذكور من أبناء الشعيطات ممن تجاوزوا سن الرابعة عشرة، ومصادرة ممتلكات المدنيين، بعد اتهام العشيرة بمحاربة التنظيم، وأودت المجزرة بحياة مئات الأشخاص، وأسفرت عن عشرات المفقودين، وخلفت وراءها مئات الأرامل وآلاف الأيتام في قرى وبلدات ريف دير الزور الشرقي.

وفي أيار/مايو 2020، أسس مدنيون من قرى وبلدات ريف دير الزور الشرقي التي شهدتها وقوع المجزرة، جمعية “شهداء مجزرة الشعيطات”، بهدف الحفاظ على حقوق الضحايا وتأمين مستلزمات أسرهم.

بداية القصة

خلال الأشهر الأولى لسيطرة التنظيم على مناطق واسعة من ريف دير الزور عام 2014، لم يتمكن من فرض الطاعة على أبناء الشعيطات رغم قوته العسكرية آنذاك. وبحسب روايات الأهالي، تم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين يقضي بسماح العشيرة بمرور التنظيم من مناطقها، مقابل عدم التدخل في شؤون المدنيين.

لكن الاتفاق لم يدم طويلاً؛ إذ بدأ عناصر التنظيم بارتكاب تجاوزات بحق السكان، ووفقاً لسكان المنطقة، من أبناء الكشكية، فإن شرارة المواجهة اندلعت بعد أن أقدم عناصر التنظيم على ذبح أحد أبناء المنطقة أمام أسرته، ما دفع أبناء العشيرة لطرد التنظيم من كامل بلداتهم.

بعد أيام، تم التوصل إلى هدنة شملت تبادل الأسرى، وأفرجت العشيرة عن عدد من عناصر التنظيم الذين كانت قد أسرتهم، لكن الأخير نكث بوعوده، وبث تسجيلاً مصوراً يوثق إعدام جميع الأسرى من أبناء العشيرة.

رداً على ذلك، بدأت الشعيطات استعداداتها للقتال، بينما استقدم التنظيم تعزيزات عسكرية من مناطق سيطرته في سوريا والعراق، وبدأ قصفاً مدفعياً مكثفاً استهدف منازل المدنيين.

تقدم للتنظيم وتشريد السكان

في معارك لاحقة، تمكن التنظيم من التقدم نحو قلب البلدات الثلاث غرانيج، وأبو حمام، والكشكية، وخلال سيطرته ارتكب مجازر جديدة بحق المدنيين، وقتل المئات منهم، فيما اضطر من تبقى إلى النزوح نحو مناطق سيطرة النظام السوري، أو نحو ريفي الرقة والحسكة، بينما هرب آخرون إلى تركيا.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2014، أصدر زعيم التنظيم حينها، أبو بكر البغدادي، أمراً بوقف ملاحقة أبناء الشعيطات، والسماح بعودتهم إلى منازلهم شريطة “التوبة” وتسليم أسلحتهم.

انضمام لـ”قسد” بدافع الثأر

بعد سنوات، ومع صعود قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة، انضم العديد من أبناء الشعيطات إلى صفوفها بهدف قتال التنظيم والانتقام لما حدث لعشيرتهم.

ويروي الكثير منهم أنهم شاركوا في معظم معارك “قسد” ضد التنظيم في دير الزور خلال عامي 2018 و2019، ومن ثم انضم الكثير من السكان المحليين إلى المؤسسات المدنية التي شكلتها الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا التي بدأت العمل على تأمين الخدمات للسكان.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد على المجزرة، لا تزال قصصها تروى في مجالس أبناء ريف دير الزور الشرقي، الحزن الذي تركته تلك الأيام لا يزال حاضراً، وجمعية “شهداء مجزرة الشعيطات” تواصل العمل لحفظ حقوق الضحايا ومساندة أسرهم، في ظل واقع أمني واقتصادي معقد يعيشه سكان المنطقة.

الحرداني.. العقل المدبر لمجزرة الشعيطات

أعلنت “رابطة عائلات شهداء مجزرة الشعيطات” أن القيادي البارز في تنظيم “داعش” ضياء زوبعة مصلح الحرداني، المعروف باسم أبو فاطمة الحرداني، والذي قتل بعملية أمنية في ريف حلب، هو المشرف المباشر على تنفيذ مجزرة الشعيطات عام 2014.

وفي بيان نشرته عبر صفحتها على “فيسبوك” بتاريخ 25 تموز 2025، أكدت الرابطة أن مقتل الحرداني لا يعفي المجتمع الدولي من مسؤوليته في تحقيق العدالة، بل يشكل حافزاً إضافياً لمواصلة جمع الأدلة، وتأمين حماية الشهود، وضمان حقوق الضحايا.

وأضافت أن العدالة يجب أن تتحقق عبر مسار قضائي نزيه، لا أن تبقى مرهونة بعمليات أمنية تنهي حياة المطلوبين دون محاسبتهم.

وذكرت القوات الأمريكية عبر منصة “إكس” أنها نفذت عملية ضد تنظيم “داعش” في مدينة الباب بريف حلب، صباح الجمعة 25 تموز، أسفرت عن مقتل الحرداني وابنيه عبد الله ضياء الحرداني وعبد الرحمن ضياء الحرداني، وهما أيضاً من عناصر التنظيم.

من هو “أبو فاطمة الحرداني”؟

الحرداني، عراقي الجنسية، يعد من أبرز قيادات تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، شغل منصب أمير القطاع الغربي لـ”ولاية الفرات” والمسؤول العام للأمن فيها سابقاً، ويتهم بأنه أشرف بشكل مباشر على تنفيذ الإعدامات الجماعية في قرى الشعيطات الثلاث غرانيج، الكشكية، أبو حمام، خلال شهري آب وأيلول 2014.

كما يُنسب إليه إعطاء أوامر ميدانية بإعدام المدنيين دون محاكمات، والإشراف على حملات اعتقال واحتجاز قسري، إضافة إلى قيادة ما عرف داخل التنظيم بـ”حرب النهب”، حيث تمت مصادرة منازل وممتلكات وسيارات المدنيين بحجة “المخالفة الشرعية”.

كذلك، لعب الحرداني دوراً محورياً في إدارة جهاز الأمن الداخلي للتنظيم في منطقتي البوكمال وهجين، وشارك في ملاحقة الناجين من المجزرة وتهديد عائلاتهم بالقتل، إلى جانب مصادرة ممتلكاتهم.

العدالة الغائبة

رغم مرور أكثر من عقد على المجزرة، لم يُفتح أي مسار قضائي حقيقي لمحاسبة مرتكبيها ويرى حقوقيون أن الاقتصار على تصفية قادة التنظيم في عمليات أمنية يترك جرائم الحرب دون توثيق كافٍ.
والسؤال الجوهري الذي يواجه أي مسار سياسي أو مرحلة انتقالية هو هل ستسعى الحكومة الانتقالية إلى تحقيق العدالة لضحايا جرائم كبرى مثل مجزرة الشعيطات، أو الهجمات الكيماوية، أو مجازر الساحل السوري؟ أم أن هذه الجرائم، بما تحمله من طابع طائفي وسياسي معقد، ستُطوى تحت شعارات المصالحة أو وحدة البلاد، كما طُويت ملفات سابقة في تاريخ سوريا؟

وتشكل مجزرة الشعيطات، التي ارتكبها تنظيم “داعش” في صيف 2014، مثالاً صارخاً على الجرائم التي ارتكبها فاعلون من خارج بنية النظام السوري وتجاهلتها الحكومة السورية الانتقالية.

وفي المقابل، تقف مجازر الساحل الأخيرة التي استهدفت قرى ذات أغلبية علوية على يد مجموعات مسلحة أو جهات انتقامية كمثال معاكس في المعادلة، كلا الحدثين يكشفان خطورة التعاطي الانتقائي مع ملفات الضحايا، في ظل خطاب سياسي وإعلامي ينتقي غالباً من يُسمح بالبكاء عليهم أو الدفاع عن قضيتهم.

فعلى الرغم من أن مجازر النظام، وخصوصاً الهجمات الكيماوية، حظيت بقدر من الاعتراف الدولي، بقيت الجرائم التي ارتكبتها التنظيمات الجهادية مثل “داعش”، أو حتى بعض الفصائل المحسوبة على المعارضة، خارج دائرة النقاش الجاد.

صمت انتقائي

هذا الصمت الانتقائي، بحسب حقوقيين، يخلق بيئة خصبة لإعادة إنتاج الانقسام المجتمعي، ويعزز خطاب الضحية على أساس الهوية السياسية أو الطائفية، بدلاً من الأساس الإنساني الجامع.

وفي التجارب الدولية، لا تقتصر العدالة الانتقالية على المحاكمات وحدها، بل تمثل عملية شاملة تبدأ بالاعتراف بالجرائم، مروراً بالكشف عن الحقيقة وتوثيقها، وصولاً إلى مساءلة الجناة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتعويض الضحايا مادياً ومعنوياً.

غير أن السياق السوري، حتى اليوم، يبدو بعيداً عن هذا المسار، إذ لم تُفتح أي ملفات جدية لمحاسبة مرتكبي المجازر من مختلف الأطراف، فلا قادة “داعش” الذين أشرفوا على مجزرة الشعيطات، ولا رموز النظام المتهمون بارتكاب المجازر الكيماوية، ولا أمراء الحرب المحليون الذين ارتكبوا انتهاكات واسعة، خضعوا لأي مسار قضائي فعلي داخل سوريا.

والعدالة الانتقالية في سوريا، كما يشير خبراء، لا يمكن أن تتحقق بانتقائية أو بانتظار صفقات سياسية، فغياب المساءلة الشاملة لجميع الأطراف المتورطة سواء كانوا من النظام أو المعارضة المسلحة أو الجماعات الجهادية يهدد بتكرار الانتهاكات، ويمنع بناء عقد اجتماعي جديد قائم على الثقة.

- Advertisement -

- Advertisement -