لكل السوريين

نساء درعا.. من رماد الحرب إلى بناء المستقبل السياسي

درعا/ رجاء مختار

في أحد مقاهي درعا المتهالكة، تجلس منى، الثلاثينية التي فقدت زوجها خلال الحرب، تتأمل دخان النرجيلة وكأنها تقرأ فيه مستقبلها. كانت يوماً ما مدرسة في ثانوية البنات، واليوم أصبحت ناشطة محلية تتحدث عن حقوق النساء ومشاركتهن في إدارة شؤون البلدة. تقول بنبرة واثقة رغم التعب الذي يسكن عينيها: “نحن النساء كنا نخبز الخبز تحت القصف، ونخيط الجراح في بيوتنا، فليش ما نشارك اليوم بصناعة القرار؟”.

منذ سقوط النظام السابق وتشكيل الحكومة الانتقالية، تغيرت ملامح الحياة السياسية في درعا، لكن التغيير لم يطل الجميع بنفس القدر. النساء اللواتي كنّ في الصفوف الخلفية طوال عقود، بدأن يطرقن الأبواب المغلقة بخجلٍ أولاً، ثم بإصرارٍ متزايد. فبعد عقود من حكمٍ جعل السياسة ملعباً للرجال فقط، بدأت النساء في الجنوب يختبرن طعم المشاركة، وإنْ كان الطريق لا يزال مليئاً بالحواجز.

في زمن الأسد، كانت مشاركة المرأة مجرد واجهة. في المجالس الرسمية، كانت صور “الرفيقات” تتصدر الجدران، لكن لا أحد يسمع صوتهن. كان يُسمح لهن بالجلوس، لا بالكلام. أما اليوم، وبعد أن تهاوت أركان النظام، بدأت الأسئلة تظهر بصوتٍ أعلى: هل ستُمنح النساء فرصة حقيقية؟ أم ستبقى الأدوار القديمة تتجدد بوجوه جديدة؟

تقول الصحفية الشابة رغد الزعبي من مدينة طفس: “بعد الثورة، صار عندي حلم صغير.. أكتب مادة وحدة تحكي عن امرأة وصلت لموقع قرار حقيقي بدرعا. بس لليوم، ما قدرت أكتبها، لأن ولا وحدة وصلت!”. ثم تضحك بخفةٍ تخفي مرارة: “يمكن بكرا أكتبها عن نفسي!”.

أرقام التمثيل النسائي في درعا الانتقالية لا تبعث على التفاؤل. من بين أكثر من مئة عضو في مجلس المحافظة، هناك ثلاث نساء فقط. اثنتان منهن وصلن بدعمٍ من منظمات دولية، والثالثة بسبب انتمائها لعائلة سياسية قديمة. أما في مكاتب الحكومة المحلية، فتكاد لا ترى امرأة تتولى منصباً تنفيذياً، باستثناء بعض المسؤولات عن الشؤون الاجتماعية أو التعليم. ومع ذلك، لا تبدو الصورة خالية من الأمل.

في بلدة المزيريب، تشارك ليلى، وهي أرملة وأم لثلاثة أطفال، في “لجنة المصالحة المحلية”، وهي أول امرأة في بلدتها تدخل هذا المجال. “قالوا لي بالبداية: شو بدك بالسياسة يا حرمة؟ بس لما شافوا إني عم بحل مشاكل بين العائلات وعم بوقف النزاعات الصغيرة، صاروا يجوا لعندي يطلبوا رأيي”. تضيف بفخر: “السياسة مش بس كرسي ومكتب، السياسة هي شغل يومي لنعيش بسلام”.

على بعد كيلومترات قليلة، في مدينة بصرى الشام، تعمل سمر (41 عاماً) ضمن مجموعة نسوية صغيرة تحاول الضغط على المجلس المحلي لتخصيص مقاعد للنساء في اللجان الخدمية. تقول: “ما فينا نطالب بحقوقنا إذا ما كنا جوّا المشهد. بدنا نكون حاضرات وقت اتخاذ القرار، مش بس وقت التصوير”.

الطريق ليس سهلاً. فالمجتمع في درعا، رغم ما عاشه من تحولات، ما زال يحمل نظرة تقليدية للمرأة. كثير من الرجال يعتبرون السياسة “مجالاً خشناً” لا يليق بالنساء. حتى بعض النساء أنفسهن يشعرن بالخوف من فكرة القيادة. تخبرنا سعاد، وهي مدرّسة من بلدة إنخل: “ما بدي أكون عضو مجلس ولا وزيرة، بس بدي بنتي تكبر وهي عارفة إنو ممكن تصير هيك لو حبت”.

وتبدو العقبات الاجتماعية أوضح حين ترتبط بالدين أو العادات. فكل محاولة لتوسيع دور المرأة السياسي تُواجَه بخطابٍ محافظ يعتبرها خروجاً عن “الأصل”. لكن كثيراً من نساء درعا يواجهن هذا الفكر بهدوءٍ وحكمة، دون صدام. تقول أم تيم، وهي ناشطة اجتماعية: “نحن ما بدنا نحارب الرجال، بدنا نشتغل معهم. السياسة مو حرب، هي تفاهم”.

في الجامعات الجديدة التي افتتحت بعد الحرب، بدأ بعض الأساتذة يلاحظون تغيراً في نظرة الطالبات إلى أنفسهن. الطالبة رهف من جامعة درعا تقول: “ما عاد نحلم نصير مذيعات أو معلمات بس، صار فينا نحلم نكون عضوات برلمان أو محافظات. الحرب علمتنا إنو الخوف ما بيطعم خبز”.

ورغم ضعف التمثيل الرسمي، إلا أن نساء درعا حققن تقدماً في العمل الأهلي والسياسي غير المباشر. فالكثير من المبادرات المدنية المحلية تُدار اليوم على أيدي نساء. هناك من تنسّق برامج تمويل صغيرة، وهناك من تنظم حملات لمحو الأمية أو لمساندة الأرامل، وكل ذلك يصب في خانة تمكين النساء اجتماعياً، وهو الطريق الأول نحو التمكين السياسي.

يقول المحامي مأمون العاسمي من درعا البلد: “المرأة اليوم عم تمارس السياسة من تحت لتحت. مو من خلال المناصب، لكن من خلال تأثيرها داخل المجتمع المحلي. في درعا مثلاً، قرارات الصلح، توزيع المساعدات، وحتى إدارة المدارس، فيها بصمة نساء أكتر مما الناس بتتصور”.

لكن النساء أنفسهن يدركن أن هذا “التمكين الخفي” لا يكفي. فكما تقول منى، التي بدأت بها الحكاية: “بدنا نطلع من ظلّ المجتمع، ما بدنا نضلّ اليد الخفية اللي تشتغل بصمت”.

ومع ذلك، هناك وعي متزايد بين النساء بأن التغيير لا يحدث فجأة. فالأرض التي أنهكتها الحرب تحتاج إلى وقتٍ لتتعافى، وكذلك الذهنيات. ترى سمر أن المسألة “مش بس كوتا أو قوانين، هي ثقافة لازم تتغير، من البيت للمدرسة، ومن المجالس المحلية للبرلمان”.

تحاول الحكومة الانتقالية في درعا، بدعم من منظمات دولية، إدماج النساء تدريجياً في مواقع القرار، لكن ذلك لا يتجاوز الآن حدود الوعود والتصريحات. كثيرات يعتبرن أن ما يجري مجرد “ديكور سياسي” لإرضاء المجتمع الدولي، بينما الجوهر لم يتبدل. ومع هذا، تبقى بعض الإشارات مشجعة، مثل وجود ورشات تدريب للنساء حول القيادة والإدارة المحلية، بدأت تظهر في مدن مثل نوى وجاسم.

تقول أم خالد، وهي خمسينية فقدت زوجها وولديها في الحرب: “يمكن أنا ما رح أشوف التغيير الكبير، بس يمكن بنتي تشوفه. إذا قدرت تصوت بحرية وتختار امرأة تمثلها، بكون حلمي تحقق”.

تغيب الأرقام الدقيقة، لكن الحكايات كثيرة. منى، ليلى، سمر، سعاد، كلهن يكتبن فصلاً جديداً في تاريخ درعا، من دون شعارات ولا مكبرات صوت. حكاياتهن تشبه المدينة نفسها: مكسورة، لكنها ما زالت تنبض.

تبقى صورة النساء وهنّ يتحركن بخطواتٍ صغيرة نحو السياسة كأنها نشيد خافت في مدينة تبحث عن نفسها. ربما لا زال الطريق طويلاً، لكن الأصوات التي بدأت تخرج من بين الركام، تقول إن المرأة الدرعاوية لن تقف بعد اليوم عند الهامش، بل تمضي بخطواتٍ ثابتة نحو مركز المشهد، حيث يجب أن تكون.

 

- Advertisement -

- Advertisement -