لكل السوريين

الدوري السوري… لعبة حاضرة وبيئة غائبة

مع كل جولة في الدوري السوري الممتاز، تتكرر الصورة ذاتها: كرة قدم تُلعب بشغف واضح، لكنها تفتقد إلى الحد الأدنى من البيئة التي تسمح لها بالتطور. اللاعبون حاضرون، المواهب موجودة، لكن الإطار العام الذي يحتضن اللعبة لا يزال بعيداً عن متطلبات كرة القدم الحديثة.

أبرز التحديات تظهر على أرضية الملاعب، حيث بات العشب الصناعي، المستخدم في معظم الملاعب، عبئاً حقيقياً على اللاعبين. فبدلاً من أن يكون حلاً مؤقتاً، تحول إلى مصدر دائم للإصابات والإجهاد، في وقت تتجه فيه أغلب الدول إلى الاستغناء عنه لصالح العشب الطبيعي. هذه الأرضيات القاسية تفرض أسلوب لعب مختلفاً، يعتمد على القوة والحذر أكثر من المهارة، ما ينعكس سلباً على المستوى الفني ويقلل من جمالية المباريات.

ولا تقف المشكلة عند الأداء فقط، بل تمتد إلى سلامة اللاعبين. الإصابات أصبحت مشهداً شبه يومي، لا تحتاج دائماً إلى احتكاك مباشر، بل قد تكون الأرضية وحدها كفيلة بإخراج لاعب من المباراة. هذا الواقع أثّر بشكل واضح على العديد من الفرق، وكان فريق الشرطة مثالاً بارزاً، بعد أن خسر عدداً من أبرز لاعبيه بسبب الإصابات، من بينهم هداف الفريق أنس عاجي، إلى جانب أسماء أخرى في أندية مختلفة مثل لؤي الشريف ومحمود العمر ومحمود البحر ومهند فاضل وحمزة سواس وعبد القادر تيشوري.

خارج المستطيل الأخضر، لا تبدو الظروف أفضل حالاً. من غرف تبديل ملابس تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيز، إلى بنية تحتية لا تعكس حجم الجهد الذي يبذله اللاعبون، تبدو المنظومة بعيدة عن مفهوم الاحتراف، حيث لم تعد كرة القدم مجرد 90 دقيقة، بل منظومة متكاملة تبدأ من أدق التفاصيل.

حتى الإعلام الرياضي، الذي يفترض أن يكون شريكاً في تطوير اللعبة، يواجه صعوبات كبيرة في أداء دوره، نتيجة غياب البنية المناسبة والتجهيزات اللازمة، ما ينعكس على جودة التغطية ويحدّ من قدرتها على مواكبة الحدث بشكل مهني.

في المحصلة، لا تكمن المشكلة في غياب المواهب أو ضعف الجهود، بل في البيئة التي تُمارس فيها اللعبة. فبدون بنية تحتية مناسبة، يبقى التطور محدوداً مهما توفرت الإمكانيات الفردية. الدوري السوري لا ينقصه الشغف، لكنه يحتاج إلى أرضية حقيقية—بالمعنى الحرفي—ليتحول هذا الشغف إلى كرة قدم تليق بتاريخه وجمهوره.

ورغم أن هذا الواقع هو نتيجة تراكمات طويلة، فإن المرحلة المقبلة تفرض ضرورة العمل الجاد لإعادة بناء منظومة كرة القدم من أساسها، لأن البداية الحقيقية لأي تطور لا تكون من النتائج، بل من البيئة التي تُصنع فيها اللعبة.

- Advertisement -

- Advertisement -