السوري ـ اللاذقية
يُعدّ موسم الحمضيات في محافظة اللاذقية نموذجاً صارخاً لأزمة أعمق تضرب القطاع الزراعي السوري عموماً، ولا سيما زراعة الحمضيات والموز، وهي أزمة ممتدة منذ سنوات طويلة وتعود جذورها إلى غياب سياسات زراعية متكاملة تراعي مصالح المزارعين والمستهلكين والاقتصاد الوطني ضمن رؤية تنموية طويلة الأمد.
ويؤكد مزارعون أن القطاع الزراعي يفتقر إلى أي دعم حقيقي للإنتاج ومستلزماته، في ظل غياب شبه تام لضبط الأسواق وتحديد هوامش ربح منطقية، أو تنظيم العمولات، أو إنشاء منافذ تسويقية مباشرة تقلل عدد الوسطاء بين المزارع والسوق، بما يخفف الأعباء عن المنتج والمستهلك معاً.
كما لا توجد إجراءات جدية لتنظيم الاستيراد وحماية المحاصيل المحلية، وعلى رأسها الحمضيات، التي تُعد من المحاصيل الاستراتيجية في الساحل السوري.
ومع بدء موسم جني الحمضيات، علّق المزارعون آمالاً على إنتاج وفير يحقق عائداً مالياً يعوضهم عن ارتفاع التكاليف وتعب عام كامل من العمل، إلا أن الواقع جاء مخيباً، إذ تكررت الأزمة ذاتها رغم تغير الحكومات، ما يعكس، وفق تعبيرهم، تجذّر عقلية السياسات المجحفة التي تضع مصالح قلة من المستفيدين فوق مصلحة المنتجين والمستهلكين.
وتبدأ معاناة المزارع من ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، بما فيها الأسمدة والمبيدات والمحروقات، مروراً بالتقلبات المناخية التي تؤثر على المحصول، ولا تنتهي عند مرحلة الجني، بل تتفاقم خلال عملية التسويق.
ففي هذه المرحلة، يجد المزارع نفسه أمام خيارات قاسية، إما تحمل تكاليف نقل مرتفعة وبيع المحصول مباشرة في السوق بخسارة، أو الانتظار على أمل تحسن الأسعار مع خطر تلف المحصول، أو القبول ببيعه بأسعار متدنية تحت رحمة التجار، لا تغطي في كثير من الأحيان تكاليف الإنتاج.
وخلال الموسم الحالي، تراوح سعر كيلو البرتقال في الأسواق بين 10 و13 ألف ليرة سورية، ووصل في بعض المناطق إلى 17 ألف ليرة، بينما بلغ سعر كيلو الموز نحو 18 ألف ليرة.
ويرى مزارعون أن حماية مصالحهم ومصلحة المستهلك كانت تقتضي وقف استيراد الموز خلال فترة جني وتسويق الحمضيات، خاصة أن الاستيراد لم يضر فقط بمزارعي الحمضيات، بل ألحق خسائر بمزارعي الموز المحلي أيضاً، إلا أن ما يحدث على أرض الواقع، بحسب وصفهم، هو أولوية مصالح كبار التجار والمستفيدين من الاستيراد والتصدير والتهريب والتحكم بالأسواق، على حساب الإنتاج الزراعي المحلي.
ويعاني مزارعو الحمضيات والموز في الساحل من ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج الزراعي، بما في ذلك أسعار الأسمدة والمبيدات والمواد العضوية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف البيوت البلاستيكية اللازمة لزراعة الموز ومواد تغطيتها، وترافقت هذه الارتفاعات مع ضعف العملة المحلية وتعقيدات الاستيراد، ما جعل الزراعة في كثير من الحالات نشاطاً خاسراً أو منخفض الجدوى الاقتصادية.
هذا الواقع دفع عدداً من المزارعين إلى تقليص اهتمامهم بالزراعة أو التفكير في اقتلاع الأشجار وترك الأراضي دون استثمار، أو حتى بيعها، ما يهدد استدامة القطاع الزراعي على المدى الطويل، كما انعكس تراجع العائد الزراعي بشكل مباشر على مستوى معيشة الأسر الريفية التي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة كمصدر دخل، وأسهم في ارتفاع معدلات الفقر في المناطق الريفية.
وتعكس معاناة مزارعي الحمضيات والموز في الساحل السوري أبعاداً أوسع لأزمة زراعية متراكمة، نتجت عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتدني أسعار البيع، وصعوبات التسويق، والمنافسة غير المتكافئة مع المنتجات المستوردة، وهي أزمة لم تعد محصورة بالإنتاج الزراعي فحسب، بل باتت قضية اقتصادية واجتماعية تمس حياة الريف السوري ومستقبل أحد أهم القطاعات الحيوية في البلاد.