بعد قرابة عامين على سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول 2024، لا تزال أكوام الأنقاض حاضرة في مدن وبلدات سورية واسعة، شاهدة على سنوات الحرب، وعائقاً أمام عودة السكان واستعادة الخدمات وإطلاق عملية إعادة الإعمار. وعلى الرغم من إطلاق عشرات المشاريع والحملات لإزالة الركام خلال الفترة الماضية، فإن الأرقام المعلنة تكشف فجوة كبيرة بين حجم الدمار المتراكم وما أُنجز على الأرض، في وقت لا تزال فيه مناطق عديدة تنتظر بدء عمليات الإزالة.
وبحسب بيانات نقلتها صحيفة «عنب بلدي» عن إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث في 22 تشرين الأول الجاري، بلغت كميات الأنقاض التي رُحّلت في سوريا نحو 3.5 ملايين متر مكعب، من أصل تقديرات تصل إلى 40 مليون متر مكعب على مستوى البلاد. وتستهدف الوزارة إزالة أكثر من ثمانية ملايين متر مكعب حتى نهاية عام 2027، في خطة تعكس حجم التحدي الذي تواجهه البلاد، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول سرعة التنفيذ وقدرة الخطط الحالية على الاستجابة لحاجات المناطق المتضررة.
وتعني الأرقام المعلنة أن الكميات التي أُزيلت لا تتجاوز نحو 8.75% من إجمالي الأنقاض المقدّرة، إذا اعتُمد تقدير الأربعين مليون متر مكعب أساساً للحساب. وبذلك يبقى أكثر من 36 مليون متر مكعب من الركام خارج حصيلة الإزالة المعلنة، وهو حجم لا يمكن التعامل معه باعتباره مشكلة خدمية مؤقتة، بل ملفاً طويل الأمد يرتبط بالتعافي الاقتصادي والاجتماعي وإعادة بناء المدن.
حملات متفرقة أمام دمار واسع
شهدت الأشهر الماضية إطلاق مشاريع لإزالة الأنقاض في عدد من المناطق، بالتعاون بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والهيئات المحلية، فيما برزت محافظة حلب باعتبارها إحدى ساحات العمل الرئيسية. وأعلنت المحافظة في تشرين الأول الجاري ترحيل نحو 239 ألفاً و450 متراً مكعباً ضمن المرحلة الثانية من مشروع إزالة الأنقاض، بنسبة إنجاز بلغت نحو 40% من المستهدف في هذه المرحلة.
وسبقت ذلك مرحلة أولى أُعلن في أيلول عن إنجازها، وشملت إزالة نحو 550 ألف متر مكعب من أكثر من 30 مدينة وبلدة في مناطق من محافظة حلب. كما يجري العمل على مشاريع تستهدف محافظات أخرى، بينها إدلب وحماة واللاذقية ودير الزور وريف دمشق، مع اختلاف نطاق الأعمال وحجم التمويل والاحتياجات بين منطقة وأخرى.
لكن تعدد الحملات لا يعني بالضرورة أن وتيرة الإزالة أصبحت متناسبة مع حجم المشكلة. فبعد سنوات طويلة من القصف والدمار، لا تزال عمليات الترحيل تسير على مراحل وفي مواقع محددة، بينما لم تبدأ المشاريع المخصصة لإزالة الأنقاض، وفق إفادة الوزارة المنشورة في 22 تشرين الأول، في دمشق وريفها وحمص ودرعا ودير الزور والحسكة. وأوضحت الوزارة أن بعض المشاريع تأخر بسبب متطلبات فنية ولوجستية وصعوبات تتعلق بتأمين الموارد اللازمة للتنفيذ.
وتكشف هذه المعطيات تفاوتاً واضحاً بين المناطق التي دخلتها الآليات وبدأت فيها عمليات الترحيل، وتلك التي لا تزال تنتظر انطلاق المشاريع. كما تجعل من الضروري نشر جدول زمني معلن يوضح المناطق المشمولة، والكميات المستهدفة في كل محافظة، وما أُنجز فعلياً، بدلاً من الاكتفاء بإجمالي وطني لا يوضح بصورة كافية توزيع الجهود والنتائج.
من عوائق التنفيذ إلى كلفة الانتظار
تقر وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بأن إزالة الأنقاض ليست عملية نقل مباشرة من موقع إلى آخر، إذ تتطلب مسحاً أولياً للمناطق، وتحديد طبيعة الركام، والتأكد من خلو مواقع العمل من الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، فضلاً عن توفير الآليات الثقيلة ومواقع التجميع والترحيل والمعالجة.
وتضيف الأوضاع العقارية تعقيدات أخرى، خصوصاً في المناطق التي تعرّضت لدمار واسع أو غاب أصحاب العقارات فيها بسبب النزوح أو الوفاة أو الفقدان. وتشترط الإجراءات المعلنة الحصول على موافقة خطية من المالك أو طلب منه عند العمل في الملكيات الخاصة، بما يجعل معالجة الحقوق العقارية جزءاً أساسياً من أي خطة إزالة، لا مسألة يمكن تجاوزها على حساب أصحاب الممتلكات.
هذه الصعوبات حقيقية ولا يمكن التقليل من أثرها، لكنها تجعل الحاجة أكبر إلى إدارة واضحة ومتكاملة للملف، تتضمن تنسيقاً بين الجهات المعنية، وتحديداً للأولويات، وتوفيراً للمعدات والتمويل، وتسريعاً للإجراءات القانونية والفنية. فمرور الوقت لا يقلل حجم الأنقاض تلقائياً، بل يطيل معاناة السكان ويؤخر استعادة الحياة الطبيعية في المناطق المتضررة.
وتتجاوز آثار بقاء الركام المشهد البصري للمدن؛ إذ يمكن أن يعيق الوصول إلى المنازل والمرافق العامة، ويؤخر إصلاح الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي، ويزيد صعوبة عودة النازحين إلى أحيائهم. كما أن ترك الأنقاض من دون فرز ومعالجة منظمة قد يفوّت فرص الاستفادة من مواد البناء القابلة لإعادة التدوير، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى خفض كلفة إعادة الإعمار وخلق فرص عمل جديدة.
ثمانية ملايين متر مكعب.. هل تكفي الخطة؟
تستهدف الوزارة إزالة أكثر من ثمانية ملايين متر مكعب خلال الفترة الممتدة حتى نهاية عام 2027، مع إعطاء الأولوية للمناطق وفق حجم الضرر، وحاجة السكان إلى العودة، وإمكانية استعادة الخدمات الأساسية، إلى جانب التمويل المتاح وكلفة التنفيذ.
غير أن هذا الهدف يحتاج إلى قراءة في ضوء حجم المشكلة. فحتى إذا أُنجزت الكمية المستهدفة كاملة وأُضيفت إلى ما أُزيل حتى الآن، فسيبلغ مجموع الأنقاض المرحّلة نحو 11.5 مليون متر مكعب، أي أقل من ثلث التقدير الوطني البالغ 40 مليون متر مكعب. وهذا حساب افتراضي يفترض أن الأرقام تقيس الكميات نفسها، وأن الهدف الجديد يضاف بالكامل إلى المنجز السابق، لكنه يوضح أن الوصول إلى إزالة معظم الركام يحتاج إلى مراحل إضافية تتجاوز الخطة المعلنة.
وفي أيلول الماضي، تحدثت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن تقديرات تصل إلى 50 مليون متر مكعب من الأنقاض، وعن توجه لإعادة تدوير الركام واستخدامه في مواد البناء وتأهيل الطرق. ويكشف اختلاف التقديرات بين 40 و50 مليون متر مكعب الحاجة إلى مسح وطني أكثر دقة، يحدد حجم الركام ومواقعه ودرجة خطورته وإمكانات الاستفادة منه، حتى تُبنى الخطط على قاعدة بيانات قابلة للقياس والمراجعة.
التعافي لا يبدأ بالإعلان عن المشاريع
بعد قرابة عامين على سقوط النظام، لا يمكن قياس التقدم في ملف الأنقاض بعدد الحملات التي أُطلقت أو الآليات التي ظهرت في مواقع العمل، بل بالكميات التي أُزيلت فعلياً، والأحياء التي أصبحت أكثر أماناً، والطرق والمرافق التي عادت إلى الخدمة، والأسر التي تمكنت من العودة إلى منازلها.
ولا تعني هذه المقاربة تجاهل ما تحقق، ولا التقليل من المخاطر الفنية والحقوقية التي تعترض عمليات الإزالة، لكنها تضع الإنجاز في حجمه الحقيقي مقارنة بالاحتياجات. فالمشكلة لم تعد في غياب المبادرات وحده، وإنما في اتساع الفجوة بين حجم الدمار والقدرة على معالجته، وفي الحاجة إلى تحويل المشاريع المتفرقة إلى برنامج وطني واضح، ذي مواعيد معلنة ومؤشرات إنجاز قابلة للتحقق.
وتحتاج سوريا إلى خطة تتجاوز ترحيل الركام من مكان إلى آخر، لتربط الإزالة بفرز الأنقاض وتدويرها، وتأهيل البنية التحتية، وحماية حقوق الملكية، وتأمين التمويل والآليات، مع نشر تقارير دورية تفصيلية عن تقدم العمل في كل محافظة.
فالأنقاض التي لا تزال تملأ أجزاء واسعة من المدن السورية ليست مجرد بقايا حرب مضت، بل اختبار لقدرة المرحلة الجديدة على تحويل الوعود بالتعافي إلى نتائج ملموسة. وبعد قرابة عامين على سقوط النظام، يبقى السؤال الأهم: متى تصبح إزالة الأنقاض عملاً واسع النطاق يلمسه السكان في أحيائهم، بدلاً من أن تبقى أرقام الإنجاز محدودة أمام حجم الدمار؟