لكل السوريين

نقص الدم في درعا… أزمة مستمرة ومعاناة الأهالي تتفاقم

درعا/ رجاء مختار

تعيش محافظة درعا الواقعة جنوبي سوريا أزمة صحية حادة تتمثل في نقص الدم ونقص المتبرعين ببنك الدم، ما يزيد من معاناة المرضى والمصابين على حد سواء. الأزمة ليست مجرد إحصائيات على ورق، بل هي واقع يومي يعيشه آلاف السكان، حيث يقف الأهالي عاجزين أمام الحاجة الماسة للدم في المستشفيات والمراكز الصحية، ويجد الكثيرون أنفسهم مجبرين على البحث في كل مكان لتأمين وحدات دم لإنقاذ حياة أحبائهم.

في مستشفى درعا الوطني، تحولت غرف الطوارئ إلى مشاهد مأساوية، مع مرضى يحتاجون لنقل دم عاجل. يقول الدكتور سامر، طبيب في قسم الطوارئ: “لدينا نقص حاد في جميع فصائل الدم، وأحياناً تضطر فرق التمريض لتأجيل العمليات الجراحية الطارئة لحين توفير الدم. الوضع خطير جداً، خصوصاً مع تصاعد حوادث السير والأمراض المزمنة التي تحتاج نقل دم دوري”. ويضيف: “نحن بحاجة ماسة لمتبرعين يومياً، لكن الإقبال ضعيف جداً. أغلب الناس يخشون التبرع أو يعتقدون أنه خطر على صحتهم”.

حالة هدى، سيدة خمسينية من الريف الشرقي، نموذج حي لمعاناة الأهالي. أصيبت هدى بنزيف حاد بعد عملية جراحية بسيطة واضطرت أسرته للبحث عن وحدات دم في كل المستشفيات. تقول ابنتها: “توجهنا إلى ثلاثة مستشفيات، ولم نجد إلا كيسين من الدم، بينما كانت والدتي بحاجة لأربعة. اضطررنا للاتصال بالأصدقاء والجيران لإحضار متبرعين. كل دقيقة كانت حرجة، وشعرنا بالعجز التام”.

الوضع لا يقتصر على المرضى فقط، بل يشمل النساء الحوامل والمواليد الجدد الذين يحتاجون أحياناً لنقل دم سريع بعد الولادة. تقول مريم، أم لطفلين: “أثناء ولادتي، كنت بحاجة لنقل دم عاجل بسبب نزيف. كان عليّ الانتظار أكثر من ساعة حتى جمعنا عدد كافٍ من المتبرعين. كل ثانية كانت كأنها ساعة، شعرت بالخوف على حياتي وحياة طفلي”.

يعود جزء كبير من المشكلة إلى نقص الوعي بأهمية التبرع المنتظم بالدم، فضلاً عن صعوبات الوصول إلى مراكز الدم. في درعا، يواجه السكان تحديات إضافية مثل البنية التحتية المتدهورة، قلة وسائل النقل، وارتفاع تكاليف التنقل، ما يجعل الوصول إلى بنوك الدم أو المستشفيات صعباً خاصة للأهالي في الريف البعيد.

أحمد، شاب عشريني من بلدة نائية، يقول: “أردت التبرع بالدم لإنقاذ حياة جدي المريض، لكن المستشفى بعيد جداً عن منزلنا، والنقل مكلف. حاولنا الحصول على سيارة أجرة لكن السعر كان مرتفعاً. في النهاية، لم أتمكن من الوصول في الوقت المناسب”.

كما يؤثر نقص الدم على المستشفيات نفسها، التي تجد نفسها مضطرة لتأجيل العمليات الجراحية أو تقليل عدد الحالات التي يمكن التعامل معها. الدكتور سامر يوضح: “في بعض الأيام نضطر لتأجيل العمليات الجراحية الطارئة لأنها تعتمد على وجود دم كافٍ، وهذا يعرض حياة المرضى للخطر. بعض الأسر تضطر للذهاب إلى محافظات أخرى، لكن ليس كل الناس لديهم القدرة على السفر”.

أزمة نقص الدم ليست جديدة، لكنها تفاقمت خلال السنوات الأخيرة بسبب النزوح، الحروب، وقلة التوعية المجتمعية. بنوك الدم في درعا لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات اليومية، خاصة مع ازدياد عدد السكان العائدين من مخيمات اللجوء، الذين يحتاجون إلى خدمات طبية مستمرة.

في محاولة للتغلب على الأزمة، بدأت بعض الجمعيات المحلية بحملات لجمع الدم وتنظيم حملات توعية. تقول ليلى، ناشطة صحية في إحدى الجمعيات: “نقوم بتنظيم حملات أسبوعية للتبرع بالدم، ونحاول الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المتطوعين. لكن المشكلة الأكبر هي استمرار نقص الوعي والثقة بين الناس. كثيرون يعتقدون أن التبرع يضعف الجسم أو قد يؤدي لأضرار صحية”.

في المقابل، هناك قصص نجاح تشجع على المشاركة، مثل قصة فهد، شاب عشريني تمكن من إنقاذ حياة صديقه بعد حادث سير خطير. يقول فهد: “لم أفكر كثيراً، تبرعت بالدم دون تردد، وسعيد لأن حياتي ساعدت شخصاً أحببته. يجب أن يعرف الناس أن التبرع آمن وينقذ الأرواح”.

ومع اقتراب فصل الشتاء، تتوقع المستشفيات ازدياد الطلب على الدم بسبب ارتفاع عدد الإصابات الناتجة عن الحوادث المنزلية والمرورية، وكذلك الأمراض المزمنة التي تزداد مع انخفاض درجات الحرارة. ويؤكد الأطباء أن الاستعداد لموسم الشتاء يتطلب توفير مخزون كافٍ من الدم في جميع الفصائل، وضمان وجود متبرعين دائمين على مدار العام.

الأهالي يطالبون بدور أكبر من الجهات الصحية والمجتمع المدني لتعزيز حملات التبرع وتسهيل الوصول إلى مراكز الدم. الحاجة اليوم لا تقتصر على توفير وحدات دم فقط، بل على بناء ثقافة مجتمعية تشجع على التبرع المنتظم، وتوفير الدعم اللوجستي للنقل، وضمان تجهيز بنوك الدم بالكوادر والمعدات الكافية للتعامل مع الحالات الطارئة.

وأزمة الدم في درعا ليست مجرد مشكلة طبية، بل انعكاس لواقع اجتماعي وإنساني يحتاج إلى تكاتف الجميع: الأطباء، المنظمات المحلية والدولية، والمجتمع بأكمله. قصص هدًى ومريم وأحمد وفهد تعكس حجم المعاناة اليومية، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن الحل ممكن إذا توفرت الإرادة المجتمعية والدعم الكافي لضمان أن لا تضيع حياة واحدة بسبب نقص الدم أو قلة المتبرعين.

- Advertisement -

- Advertisement -