اللاذقية/ يوسف علي
مع قدوم الشتاء إلى الساحل السوري تتجلى معاناة العائلات بوضوح أكثر ليس البرد وحده المشكلة، بل تراكم الفقر وتداعيات الحرب والزلازل التي تركت منازل عديدة غير صالحة للعيش بشكل آمن.
تنتشر المنازل المتصدعة والأبواب التي تحمل آثار القصف، وبيوت نجت من القذائف لكنها تواجه إهمالاً شديداً وقصوراً في الصيانة. في كثير من القرى والأزقة، يتحول الحصول على الوقود إلى معضلة الحطب صار نادراً، والبحث عنه جريمة يحاسب عليها القانون، والبدائل باهظة الثمن، رغم أن المواطن يضطر لحرق الأثاث أو أشجاره المثمرة ليستطيع تدفئة أسرته لليلة واحدة فقط.
سبل العيش تغيرت أيضاً: فصل موظفين، تراجع الرواتب، وقلة فرص العمل جعلت العائلات أقرب إلى العجز التام. رب الأسرة الذي فقد دخله أصبح يقايض بين شراء الوقود وشراء الطعام أو الدواء، بينما الأطفال يعانون من السعال والإصابات المرتبطة بالبرد والرطوبة.
بسبب قيود حماية الغابات وفرض العقوبات على جمع الحطب، يجد السكان أنفسهم محصورين بين حفاظ الدولة على البيئة واحتياجاتهم اليومية للبقاء دافئين. كثيرون يقولون إن تطبيق القوانين جاء دون بدائل واضحة لدعم الفئات الأكثر حاجة.
يتحدث لصحيفة السوري الرجل السبعيني خالد وهو من سكان قرية الربيعة في الريف الشمالي لمدينة اللاذقية “منذ الزلزال ونحن نعيش في بيت متصدع، لا نجرؤ على النوم في غرفة واحدة خلال الليل. لا أملك ما يكفي من الوقود، وأحرق أحياناً قطعاً من أثاث البيت حتى يتدفأ الأطفال. الأسعار ارتفعت والرواتب غير موجودة لأنني لست موظفاً”.
وتروي حنان البالغة من العمر خمسون عاماً من ريف مدينة جبلة تجربتها وتقول: “أصبح البرد جزءاً من يومنا. ألبس أولادي ما يملكون من ملابس سميكة وأؤجل شراء الدواء أحياناً لمصلحة الدفء. عندما نذهب لجمع حطب نجد تحذيرات وغرامات من الجهات المسؤولة؛ لا يوجد دعم ملموس لنا، ولا قدرة على شراء وقود التدفئة بعد فصل زوجي من العمل”.
الجدران المتشققة والمنازل القائمة على أعمدة دعم مؤقتة تزيد المخاطر خلال الشتاء، خصوصاً مع الرطوبة والأمطار، غياب صيانة فعلية أو برامج إعادة إعمار موسعة يترك الأسر في حالة انتظار مستمرة للمساعدة، وغالباً ما تكون المساعدات غير موجودة أساساً أو مؤقتة.
التركيز على حفظ الطبيعة مهم، لكن السكان يعانون من غياب حلول بديلة: توزيع وقود مدعوم، أو برامج لإصلاح المنازل الأكثر تضرراً. من دون حلول منسقة، يبقى البرد مهرّباً أحلام الأسر بشتاء آمن.
المعركة الحقيقية هنا ليست مع درجات الحرارة، بل مع هشاشة شبكة الأمان الاجتماعي، آلاف العائلات على الساحل تُجبَرُ على اتخاذ قرارات صعبة بين الدفء والطعام والعلاج، كما أن استمرار الظروف على هذا النحو يضع الجيل الصغير في مواجهة مخاطرة صحية واجتماعية طويلة الأمد.