دخلت المالية العامة في سوريا مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الإنفاق، بعدما أقرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، بناءً على مقترح من وزارة المالية، حزمة إجراءات لضبط وترشيد النفقات الحكومية، في ظل ضغوط متزايدة على الموازنة وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والسلع والخدمات.
وتتضمن الإجراءات خفض النفقات غير الضرورية، ومراجعة المشاريع الاستثمارية، وتقليص بعض النفقات التشغيلية، إلى جانب تخفيض مخصصات البنزين والمازوت للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30%، مع استثناء الآليات الطارئة ووسائل النقل الجماعي وبعض الآليات ذات المخصصات المحدودة. كما تشمل تقليص نفقات السفر والإيفاد والمؤتمرات والضيافة والقرطاسية، ووقف شراء أو استبدال السيارات والأثاث والتجهيزات الإدارية إلا في حالات الضرورة.
لكن خلف لغة «الترشيد» سؤال أكبر يهم السوريين مباشرة: هل نحن أمام إصلاح حقيقي في طريقة إدارة المال العام، أم مجرد محاولة لتخفيف آثار فجوة مالية اتسعت خلال العام الحالي؟
أرقام تكشف حجم المشكلة
تظهر البيانات التي نشرتها وزارة المالية عن النصف الأول من عام 2026 أن الإيرادات العامة بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق وصل إلى نحو 3.7 مليارات دولار، ما أدى إلى تسجيل عجز يقارب مليار دولار.
ورغم ارتفاع الإيرادات بنسبة 111% مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي، ارتفع الإنفاق بنسبة 331%، وفق الوزارة. وأرجعت الحكومة جانباً من زيادة الإنفاق إلى ارتفاع الرواتب والأجور، والتوسع في الإنفاق على الأولويات الحكومية، إضافة إلى ارتفاع كلفة بعض السلع والخدمات والمدخلات نتيجة التطورات الإقليمية وارتفاع أسعار الواردات.
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل قرار الترشيد مفهوماً من الناحية المالية، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً للمساءلة: إذا كانت الدولة تعرف منذ أشهر أن الإنفاق ينمو بوتيرة أعلى بكثير من الإيرادات، فلماذا لم تبدأ مراجعة النفقات في وقت أبكر؟
لماذا الآن؟
لا تعني الإجراءات بالضرورة أن الإنفاق السابق كان كله هدراً، فالحكومة تقول إن جزءاً من الارتفاع جاء نتيجة زيادة الرواتب والأجور، وتكاليف السلع والخدمات، والإنفاق على الأولويات الحكومية والمناطق المتضررة.
لكن توقيت القرار يشير إلى حاجة مالية واضحة لإعادة ضبط وتيرة الإنفاق خلال ما تبقى من العام، خصوصاً أن العجز المسجل في الأشهر الستة الأولى بلغ نحو مليار دولار.
وتأتي الإجراءات أيضاً في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالطاقة والنقل والاستيراد، وهي عوامل تستطيع التأثير في تكاليف الدولة كما تؤثر في تكاليف القطاع الخاص والأسواق.
بمعنى آخر، يبدو أن الحكومة تحاول الانتقال من مرحلة توسيع الإنفاق لتغطية احتياجات المرحلة الانتقالية إلى مرحلة أكثر حذراً في إدارة السيولة المتاحة، خصوصاً مع اقتراب إعداد موازنة عام 2027.
هل الإجراءات جدية؟
هناك مؤشرات تجعل الحزمة مختلفة عن مجرد دعوة عامة إلى «الاقتصاد». فقد تضمنت إجراءات محددة، بينها تخفيض مخصصات الوقود للآليات الحكومية، ووقف شراء السيارات والأثاث والتجهيزات الإدارية غير الضرورية، وتقليص السفر والمؤتمرات والضيافة، إضافة إلى تصنيف المشاريع الاستثمارية وفق درجة الأولوية.
كما ألزمت الجهات العامة بتقديم بيانات تفصيلية إلى وزارة المالية حول النفقات التي أوقفت أو خفضت، والمبالغ المرصودة والمنفقة، والوفر المتوقع تحقيقه، خلال مهلة محددة. وتتولى وزارة المالية متابعة الوفورات ورفع تقارير دورية، فيما تتولى وزارة الطاقة متابعة استهلاك المحروقات ورفع تقارير شهرية.
هذه الآليات تمنح القرار طابعاً تنفيذياً أكبر من مجرد توصية، لكن جدية الترشيد لا يمكن الحكم عليها من نص القرار وحده. الاختبار الحقيقي سيكون في الأرقام التي ستظهر لاحقاً: كم وفرت الدولة فعلياً؟ وما حجم النفقات التي جرى إيقافها؟ وهل وصلت الوفورات إلى القطاعات الأكثر حاجة؟
أين كان الخلل إذاً؟
السؤال الأكثر حساسية ليس فقط: «كيف ستخفض الحكومة الإنفاق؟»، بل: كيف وصل الإنفاق إلى هذه المستويات قبل أن تبدأ عملية الخفض؟
البيانات الرسمية نفسها تظهر أن الإنفاق ارتفع بنسبة كبيرة خلال النصف الأول من العام، في وقت ارتفعت فيه الإيرادات أيضاً ولكن بوتيرة أقل بكثير.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود هدر أو سوء إدارة في كل بند من بنود الإنفاق، لكنه يعني أن قدرة الدولة على تحقيق توازن بين الإيرادات والنفقات أصبحت أكثر صعوبة.
ومن هنا، فإن نجاح سياسة الترشيد لن يقاس فقط بتقليل المصروفات، وإنما بقدرة الحكومة على تحسين الإيرادات أيضاً، وتوسيع النشاط الاقتصادي، ورفع كفاءة التحصيل، وتقليل الاعتماد على الرسوم التي قد تنتقل كلفتها في النهاية إلى المستهلك.
المواطن.. الحلقة الأكثر حساسية
حتى مع إعلان الحكومة استثناء الرواتب والأجور ونفقات الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة من التخفيضات، يبقى المواطن هو الطرف الذي قد يتأثر بصورة غير مباشرة إذا أدت عملية الترشيد إلى تأجيل مشاريع خدمية أو استثمارية أو تراجع الإنفاق التشغيلي لبعض المؤسسات.
وفي المقابل، إذا نجحت الحكومة في خفض النفقات غير الضرورية دون المساس بالخدمات، فقد يكون الأثر إيجابياً على المدى المتوسط، لأنه يساعد على الحد من العجز ويقلل الضغط على المالية العامة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول «الترشيد» من تقليص للنفقات غير الضرورية إلى خفض في الإنفاق الضروري الذي يمس حياة الناس اليومية.
ولهذا سيكون من المهم مراقبة ما إذا كانت المشاريع التي ستتوقف أو تؤجل هي فعلاً مشاريع منخفضة الأولوية، أم مشاريع خدمية كان يمكن أن تحسن حياة المواطنين.
بين الترشيد والإصلاح
الترشيد المالي يمكن أن يكون أداة ضرورية في أي اقتصاد عندما تتسع الفجوة بين الإيرادات والإنفاق، لكنه لا يمثل وحده إصلاحاً مالياً متكاملاً.
فالعجز لا يعالج فقط عبر تقليل المصروفات، وإنما يحتاج أيضاً إلى زيادة الإيرادات بطريقة مستدامة، وتحسين التحصيل، وتنشيط الإنتاج والاستثمار، وتوسيع القاعدة الاقتصادية، وضبط الإنفاق وفق أولويات واضحة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في سوريا، حيث أظهرت بيانات النصف الأول من العام أن جزءاً كبيراً من الإنفاق يرتبط بالرواتب والأجور والأولويات الحكومية، بينما تتأثر الإيرادات بتطورات الاقتصاد والتجارة والطاقة والتحصيل.
لذلك فإن نجاح الحزمة الحالية سيعتمد على ما إذا كانت بداية لمراجعة أوسع لآلية إعداد الموازنات وتنفيذها، أم مجرد إجراء مؤقت حتى نهاية العام.
الاختبار في الشفافية
في النهاية، لا يستطيع المواطن الحكم على جدوى الترشيد من بيانات عامة عن «خفض النفقات»، بل يحتاج إلى معرفة الأرقام.
كم وفرت الحكومة؟ ما المشاريع التي أوقفت؟ كم بلغت قيمة النفقات التي تم الاستغناء عنها؟ وأين ستذهب الوفورات؟ وهل ستنعكس فعلاً على الخدمات الأساسية؟
وزارة المالية أعلنت أنها تتجه إلى تعزيز الإفصاح عن تنفيذ الموازنة، ونشرت بالفعل تقريراً عن الأداء المالي للنصف الأول من العام.
وهنا يصبح نشر نتائج الترشيد بانتظام جزءاً أساسياً من نجاح السياسة نفسها.
فالترشيد الذي يوقف شراء سيارة إدارية جديدة أو يقلل نفقات سفر ومؤتمرات قد يكون واضحاً للمواطن من حيث المبدأ، أما الترشيد الذي يؤجل مشروعاً خدمياً أو يقلل الإنفاق على مؤسسة عامة، فيحتاج إلى تفسير أكثر دقة.
وبين حاجة الدولة إلى ضبط عجزها، وحاجة المواطن إلى خدمات أفضل، يبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة هو إثبات أن «ترشيد الإنفاق» يعني إزالة الهدر قبل تقليص الاحتياجات، وأن ضبط الموازنة لن يتحول إلى فاتورة إضافية يدفعها المواطن السوري من مستوى الخدمات أو قدرته الشرائية.