لكل السوريين

الحمرا بين الذاكرة والمستقبل: هل يمكن أن تعود العاصمة ذاكراها؟

هيئة النشر

أعلنت إدارة «مسرح المدينة» في بيروت أنّها ستعقد لقاءً بعنوان «إحياء شارع الحمرا: الذاكرة والحياة». وبقدر ما يبدو هذا اللقاء ثقافياً محضاً، فإنّه في العمق فعلٌ سياسيّ ومدنيّ بامتياز، إذ لا يطال مكاناً عادياً في العاصمة، بل أحد أهمّ شوارع العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فـ«الحمرا» لم يكن يوماً مجرّد شارع تجاري أو مركز ترفيهي، بل مختبراً اجتماعياً وثقافياً تأسّست عليه صورة لبنان المنفتح، المتنوّع، المدينيّ، والمتفاعل مع العالم.

على مدى عقود، لم تُعرَف بيروت بلا حمرا، كما لم يُعرَف الشرق الأوسط بلا هذا الشارع الذي جمع، في وقت باكر، ما لم تستطع مدن المنطقة جمعه. هناك تساكن اللبنانيّ القادم من الريف مع ابن المدينة، وتجاور مع الأميركي والبريطاني والفلسطيني والعراقي والبحراني والباكستاني والنيجيري… وهناك التقى المهاجرون والطلاب والكتّاب والصحافيون والفنانون، في لحظة بدا فيها أنّ العالم يمرّ من تلك المساحة الصغيرة الممتدّة بين «الجامعة الأميركية» و«مسرح البيكاديللي».

فهذا الشارع، الذي بدأ كمساحة شبه مهجورة تسودها الكثبان الرملية والصبّار والثعالب، تحوّل بجهد بشريّ جمعيّ—محليّ وعابر للحدود—إلى ذروة عمرانية وثقافية بلغها لبنان قبل حرب 1975. السينمات والمسارح التي ملأت أرجاءه، المكتبات والفنادق والمقاهي، المطاعم ووكالات السفر والمصارف، شكّلت جميعها منظومة حياة مدينية اكتسبت دوراً أكبر من مجرّد خدمة المستهلكين: كانت إعلاناً عن حضور قيم الحداثة، وتحريراً تدريجياً للفرد، وإعلاناً عن فضاء لا تُمنع فيه الكتب ولا الأفلام ولا الآراء المخالفة.

ولم يكن هذا ليتحقّق لولا الجامعة الأميركية في بيروت التي لعبت دور «المحرّك الأول». فالجامعة لم تكتفِ بإنتاج الحاجة الاقتصادية، بل خلقت بيئة اجتماعية جديدة انتزعت السكن من منطق «القرابة الشرقية» السائد، حيث الجار عادةً هو الأخ أو ابن العمّ. في رأس بيروت، أصبح الجار أيّ إنسان، من أيّ مكان، وهذا التحوّل وحده كان كفيلاً بتأسيس «مدينة داخل المدينة» لا تشبه سائر المناطق التي تتحكم بها الذاكرة الطائفية والروابط العائلية الصلبة.

هكذا صار الحمرا، في بنيته الرمزية، مكاناً يجمع «ما يشبهنا» و«ما لا يشبهنا»، «نحن» و«ما ليس نحن». فيه نسمع أصواتنا والأصوات المحبوبة إلينا، كما نسمع الأصوات التي نكرهها. في هذا الخليط الشائك تكمن قيمة المدينة الحديثة: المكان الذي نجد فيه ذواتنا ونفقدها في اللحظة نفسها، مقابل القرية التي يردّد فيها الجميع الكلام نفسه ويشبهون بعضهم بعضاً إلى حدّ الذوبان.

هذه المدينة – النموذج لم تكن لتولد في بلد يحمل السلاح داخل الحدود ويلوح به خارجها، يتغزّل بالحرب أو يفرض إيديولوجيا رسمية واحدة. وعليه، فإنّ شرط إحياء الحمرا اليوم هو، ببساطة، موت الحرب والعنف والعسكرة، والعودة إلى لبنان التعدديّ الذي سمح بظهور الحمرا أساساً. فلا يمكن للشارع أن يُبعث حيّاً ما دامت أسباب موته قائمة.

الحرب اللبنانية، وما تلاها من اضطرابات ووصايات واغتيالات وحروب صغيرة وكبيرة، قوّضت ركائز الحمرا ركناً بعد ركن. هجّرت سكانه على أسس طائفية وعقائدية. نقلته من فضاء للاختلاط إلى مساحة مشكّكة بـ«الغريب»، مشبّعة بمخاوف الأمن والسياسة. خطف الأجانب في الثمانينات وقتل بعضهم—ومن بينهم رئيس الجامعة الأميركية مالكولم كير عام 1984—كان إعلاناً صريحاً عن نهاية «الكوزموبوليتية اللبنانية». ومع الاجتياحات العسكرية المتكررة، تحديداً في 2008 حين سيطرت مجموعات مسلّحة على العاصمة، اكتملت دائرة التهجير المعنوي للشارع الذي لم يعد بيته آمناً لأحد.

وفي موازاة الحرب، صعدت موجة من التعصّب القومي والديني جعلت من «الهوية الأصلية» هوية متخيّلة متورّمة، لا تتسامح مع الغريب ولا مع المختلف. هكذا تحوّل الشكّ في الآخر إلى فضيلة وطنية، وتحوّلت الكوزموبوليتية إلى «خيانة». ونتيجة هذا المناخ اختُزل تاريخ الحمرا—بثقافته ومؤسساته وشخصياته ومسرحاته وصالاته—برصاصتين أطلقهما شاب على جنود إسرائيليين سنة 1982، وكأنّ كلّ ما مثّله الشارع يختصر في مشهد واحد يتيم، يُستثمر سياسياً كلما لزم الأمر.

وتحت وطأة هذا التبسيط، ازدادت الرقابة قسوة. فبعد الرقابة السياسية التي فرضتها أجهزة الوصاية السورية، جاءت رقابة اجتماعية وأخلاقية طالت الكتب والأفلام والمقالات، وأغلقت الباب أمام الحريات التي ازدهرت في «العصر الحمراويّ» الذهبي. وما زاد المشهد قتامةً أنّ الشارع شهد مناسبات ذات طابع شبه عسكري لحزب بعينه، حمل خلالها شبّان «زوابع» معدّلة من الصليب النازيّ، في مشهد لا يمكنه التعايش مع أيّ فكرة للمدينة الحديثة.

من هنا، فإنّ «إحياء شارع الحمرا» ليس برنامجاً عمرانياً ولا مشروعاً تجارياً. هو مشروع سياسي، ثقافي، اجتماعي، ووجودي. إحياء الحمرا يعني حصر السلاح بيد الدولة، واحترام القانون، وإعادة الاعتبار إلى الحريات الفردية، واستعادة سمعة بيروت كمدينة مفتوحة للثقافات، لا كمتراس في صراع إقليميّ دائم. إحياء الحمرا يعني أيضاً إنقاذ ذاكرته الحقيقية—لا ذاكرة طُبخت على نار السياسة الضيقة—وحماية حياته المدينية من محاولات التلخيص والتزوير.

فالحمرا، في النهاية، مرآة لبنان الذي نريد. وإذا كان إحياء هذا الشارع ممكناً، فذلك يعني أنّ إحياء لبنان بدوره لا يزال ممكناً… وأنّ الحياة، رغم كل شيء، لا تزال تبحث عن مكان لتبدأ منه من جديد.

- Advertisement -

- Advertisement -