لكل السوريين

العودة إلى المقاعد الدراسية.. تحديات الطلاب السوريين العائدين بين المناهج والبيئة الجديدة

تقرير/ مرجانة إسماعيل

مع عودة العديد من العائلات السورية إلى دمشق وريفها بعد سنوات من النزوح أو الإقامة في دول الجوار، يواجه الطلاب العائدون تحديات غير متوقعة. لم يعد الأمر مجرد العودة إلى البيت والجيران، بل أصبح رحلة معقدة بين المناهج التعليمية الجديدة، وفروقات اللغة، والبيئة الاجتماعية المختلفة التي تغيرت خلال غيابهم.

سارة، فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، عادت مع عائلتها من لبنان إلى دمشق بعد خمس سنوات من الغربة. تقول بصوت مختلط بين الفرح والقلق: “البيت الذي تركناه صغير، لكن المدارس تغيّرت كثيراً، وحتى الكلمات التي نكتبها في دفترنا أصبحت مختلفة عن ما تعلمته هناك. أحياناً أشعر أنني أدرس لغة جديدة، وليس مادة الرياضيات أو العلوم فقط.” سارة ليست الوحيدة؛ كثير من الطلاب يواجهون صعوبة في استيعاب المصطلحات الجديدة والطرق التعليمية التي لم يعتادوا عليها، خصوصاً في المواد العلمية واللغات الأجنبية.

في قرية صغيرة قرب ريف دمشق، عاد يوسف مع أسرته من تركيا. يروي أن التكيف مع البيئة الريفية كان أصعب مما توقع: “الطرق والطبيعة تغيرت، وحتى المدارس لم تعد كما تركناها. هناك أجهزة جديدة، أساليب تدريس مختلفة، ومعلمين يفرضون أساليب لم نعتد عليها. أحياناً أشعر أنني تائه بين الكتب والدفاتر، وكأنني بحاجة إلى دليل لأعرف من أين أبدأ.” التحديات بالنسبة ليوسف لا تتوقف عند المناهج، بل تمتد لتشمل أصدقاءه وزملاءه الجدد، الذين اختلطوا بعائلات وعادات مختلفة خلال السنوات الماضية، مما يضيف بعداً اجتماعياً نفسياً للصعوبات التعليمية.

الأستاذة ريم، معلمة لغة عربية في دمشق، تحدثت عن الظاهرة من منظور تربوي: “الطلاب العائدون يأتون بدرجات متفاوتة من الإلمام بالمناهج. بعضهم فقدوا سنوات دراسية أو درسوا مناهج مختلفة تماماً عن النظام السوري. علينا أن نبدأ من الصفر أحياناً، ونقدم لهم الدعم النفسي والتربوي، وليس فقط التعليم الأكاديمي.” وأضافت ريم أن اللغة العربية نفسها تشكل تحدياً لبعض الطلاب، خصوصاً أولئك الذين درسوا في مدارس تستخدم لهجات أو مصطلحات محلية لدول الجوار، مما يجعل القراءة والكتابة والتعبير بشكل صحيح أصعب.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الفارق بين البيئة التعليمية في المدن الكبرى والريف يضيف بعداً آخر للتحديات. عودة الطلاب إلى مدارس ريفية صغيرة تعني مواجهة نقصاً في المعلمين المتخصصين، وقلة الأجهزة التعليمية، وبرامج الدعم النفسي التي يحتاجها هؤلاء الطلاب. علاوة على ذلك، فإن بعض الطلاب الذين قضوا سنوات في تعليم تقني أو لغات أجنبية يجدون أن ما تعلموه خارج البلاد لا يتوافق مع متطلبات المنهاج السوري، مما يخلق شعوراً بالإحباط.

ليلى، فتاة عادت من الأردن مع عائلتها، تتذكر أول يوم لها في مدرسة دمشق: “كنت أكتب الإجابة على سؤال باللغة التي درست بها، والمعلمة نظرت إليّ بدهشة. شعرت بالحرج والخوف من أن أكون مختلفة عن زملائي. بعد أسابيع قليلة، بدأت أتكيف، لكن الطريق لم يكن سهلاً.” هذه التجارب تعكس واقع آلاف الطلاب الذين عادوا إلى البلاد، والذين يحتاجون إلى برامج دعم متكاملة تساعدهم على التعلم بسرعة والتكيف مع البيئة الجديدة.

التحديات لا تقتصر على التعليم فقط، بل تشمل الحياة اليومية والبيئة الاجتماعية. العائلات العائدة غالباً ما تجد نفسها في مجتمعات تغيرت، سواء في عاداتها أو في البنية التحتية للمدن والقرى. يجد الأطفال صعوبة في التواصل مع أصدقائهم الجدد، أو في المشاركة في النشاطات المدرسية، مما يزيد من الضغط النفسي ويؤثر على تحصيلهم الدراسي.

مع ذلك، هناك قصص نجاح مبهجة. خالد، طالب من دمشق عائد من لبنان، استطاع خلال عام واحد التأقلم مع المنهاج الجديد وحصل على مراكز متقدمة في الرياضيات والعلوم، بفضل الدعم الأسري والموجهين في المدرسة. يقول خالد بابتسامة: “الأمر لم يكن سهلاً، لكن مع الصبر والمساعدة، شعرت أنني أستعيد جزءاً من حياتي التي فقدتها خلال السنوات الماضية.” هذه التجارب الإيجابية تثبت أن التحديات يمكن تجاوزها، وأن الدعم النفسي والتربوي والبيئي يلعب دوراً محورياً في تسهيل عودة الطلاب إلى مدارسهم.

يبقى موضوع الطلاب العائدين من أكبر القضايا التي تتطلب اهتماماً واسعاً من وزارة التربية والمؤسسات التعليمية. توفير برامج تعليمية مخصصة، دعم نفسي واجتماعي، وتدريب المعلمين على التعامل مع الطلاب العائدين، كلها عناصر أساسية لضمان إعادة دمج هؤلاء الأطفال في النظام التعليمي بنجاح. فالعودة إلى الوطن ليست مجرد رحلة جسدية، بل هي رحلة إعادة بناء حياة كاملة، تبدأ بالمدرسة، وتمتد إلى الأسرة والمجتمع.

- Advertisement -

- Advertisement -