لكل السوريين

طريق حمص.. شريان مفتوح على نزيف الحوادث المرورية

حمص/ بسام الحمد

أصبح طريق حمص الرئيسي ساحة مفتوحة للحوادث المرورية المميتة، حيث تسجل الإحصائيات الرسمية والعينية عشرات الحوادث الأسبوعية بمختلف درجات خطورتها، تتراوح بين الاصطدامات الخفيفة والحوادث المروعة التي تحصد الأرواح وتشكل مآسي بشرية لأسر عديدة، هذا الطريق الحيوي الذي يربط بين المحافظات السورية الرئيسية تحول إلى ما يشبه “ممر الموت” بسبب تفاقم العوامل المسببة للحوادث وتردي البنية التحتية المرورية.

تشير تقارير مستشفيات حمص إلى استقبالها ما معدله 3-5 حالات إصابة يومياً ناجمة عن حوادث على هذا الطريق، تتنوع بين كسور وجروح بليغة وإصابات دماغية وحالات وفاة. وتؤكد مصادر في مديرية المرور أن معظم الحوادث الخطيرة تحدث في المسافة بين مدينة حمص وبلدة المخرم، حيث تختلط حركة الشاحنات الثقيلة مع السيارات الصغيرة في ظل غياب أي حواجز أو جزر وسطية تفصل بين الاتجاهين.

تتعدد أسباب هذه الكارثة المرورية بين البشرية والتقنية والبيئية، فمن الناحية البشرية، يلعب العنصر البشري الدور الأكبر في هذه الحوادث، حيث ينتشر تجاوز السرعة المقررة بشكل جنوني، خاصة بين سائقي الشاحنات وسيارات النقل الصغيرة، كما أن ظاهرة القيادة تحت تأثير التعب أو النعاس تتفشى بين سائقي المسافات الطويلة الذين يضطرون للسفر ليلاً هرباً من ازدحام النهار، ويقول أحد سائقي الشاحنات: “أحياناً أضطر للسفر 12 ساعة متواصلة لأن تكاليف الإقامة في الفنادق أصبحت باهظة، مما يعرضني لخطر النعاس على المقود”.

أما من الناحية التقنية، فإن تردي حالة الطريق نفسه يشكل عاملاً رئيسياً في الحوادث. فالحفر المنتشرة على طول الطريق، وعدم وضوح علامات التشوير الأرضي والعمودي، وغياب الإنارة الكافية في الكثير من المناطق، كلها عوامل تزيد من خطر الحوادث خاصة ليلاً، كما أن عدم كفاية نقاط التفتيش المرورية وانتشار السيارات غير الصالحة للسير تساهم في تفاقم المشكلة.

من الناحية القانونية، يعترف ضباط مرور بأن تطبيق القانون يواجه صعوبات جمة، بسبب نقص الكوادر والآليات، وعدم وجود رادارات حديثة لضبط السرعة، وانتشار ظاهرة الرشوة للتهرب من المخالفات، ويوضح أحد الضباط: “لدينا فقط 3 دوريات مرورية لتغطية كل الطريق، وهو عدد غير كاف بالمطلق”.

على الصعيد الإنساني، تخلف هذه الحوادث مآسٍ عائلية متكررة. فكل حادث بليغ يعني عادة فقدان المعيل الوحيد للأسرة، أو إصابة تسبب إعاقة دائمة تثقل كاهل العائلة مادياً ومعنوياً، كما أن تكاليف العلاج الباهظة تشكل عبئاً إضافياً على النظام الصحي المثقل أصلاً.

في مواجهة هذه الكارثة المستمرة، تبقى الحلول المقترحة محدودة التأثير، فحملات التوعية المرورية التي تقوم بها مديرية التربية تنتهي عند حدود المدارس، بينما لا يوجد أي توعية فعالة للسائقين المحترفين، كما أن مشاريع صيانة الطريق تبقى جزئية ولا تغطي كل المناطق الخطرة.

الغريب في الأمر أن هذه الحوادث المتكررة لم تعد تثير أي رد فعل رسمي أو شعبي كبير، وكأنها تحولت إلى أمر طبيعي في حياة الناس اليومية. هذا التطبيع مع الموت على الطرقات يشكل مؤشراً خطيراً على تراجع قيمة الحياة البشرية في الوعي الجمعي.

يتطلب حل أزمة حوادث طريق حمص استراتيجية متكاملة تبدأ بإعادة تأهيل الطريق نفسه، مروراً بتعزيز الرقابة المرورية، ووصولاً إلى تغيير الثقافة المرورية للسائقين، لكن في ظل غياب الإرادة السياسية والموارد المالية الكافية، يبدو أن شريان حمص الرئيسي سيستمر في نزيفه اليومي من الأرواح، في صمت مطبق.

- Advertisement -

- Advertisement -