لكل السوريين

الحياة المعلقة.. أمهات وزوجات المفقودين في سوريا بين الانتظار والألم

تقرير/ جمانة الخالد

على أرصفة المدن السورية، وفي الأحياء التي تشهد بقايا الحياة اليومية، تنتشر وجوه نساء تلاحقهن صورة من فقدن. أمهات يبحثن عن أبنائهن، وزوجات تبحث عن أزواجهن، وأخوات لم يعرفن شيئًا عن إخوتهن منذ سنوات، وسط فراغ رسمي وقانوني يضاعف معاناتهن. المفقودون في سوريا ليسوا مجرد أسماء في قوائم، بل قصص حياتية توقفت فجأة، تترك خلفها حزنًا صامتًا وألمًا مستمرًا لا يعرف الراحة أو النهاية.

وتختلف أوجه المعاناة حسب طبيعة العلاقة بالمفقود: الأم التي فقدت ابنها، الزوجة التي فقدت زوجها، والأخت أو الابنة التي لا تزال تنتظر رجوع أخ أو والد أو قريب. كل واحدة منهن تعيش حالة من الصدمة المستمرة، تختلط فيها مشاعر القلق، الخوف، الغضب، والأسى. كثير من هؤلاء النساء يحكين عن لحظات الانتظار الطويل، عن المكالمات الهاتفية المجهولة، أو عن الأخبار المتقطعة من أصدقاء أو جيران أو ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، عن أفراد تم العثور عليهم مصابين أو في السجون أو مقطوعي الأمل.

منذ اندلاع النزاع في سوريا، أضحت ظاهرة فقدان الأشخاص واحدة من أبرز آثار الحرب على المجتمع المدني. التقديرات الرسمية تشير إلى أن مئات الآلاف من السوريين ما زالوا في عداد المفقودين، بين محتجزين، مخطوفين، أو مختفين في مناطق النزاع. هذا العدد الضخم من الحالات يجعل من الصعب على الجهات الرسمية متابعة كل حالة، ويترك مساحة واسعة للارتباك والشك والانتظار الطويل.

الألم النفسي لهؤلاء النساء له أبعاد معقدة. الدراسات النفسية تشير إلى أن فقدان أحد أفراد الأسرة لفترات طويلة دون معرفة مصيره يؤدي إلى ما يُعرف بـ”الحزن المعلق” وهي حالة من الألم المزمن الذي يعيق النساء عن تجاوز الصدمة. بعضهن يعانين من الاكتئاب أو القلق المزمن أو الأرق المستمر، فيما تتعرض أخريات لمشكلات اجتماعية واقتصادية، خصوصًا إذا كان المفقود هو المعيل الرئيسي للعائلة. الزوجات اللواتي فقدن أزواجهن، على سبيل المثال، يجدن أنفسهن مجبرات على تربية الأطفال بمفردهن، والعمل لتأمين لقمة العيش، في وقت يفتقرن فيه للدعم الكافي من المجتمع أو الدولة.

ويعمّق الجانب الاجتماعي مأساة هؤلاء النساء. في الكثير من المجتمعات السورية، يُنظر إلى النساء كحاملة عبء الاستقرار الأسري. المفقود في الأسرة يترك فراغًا مزدوجًا: فراغًا عاطفيًا، وفراغًا اقتصاديًا. البعض يعاني من الوصم الاجتماعي بسبب فقدان الرجل أو الابن، ما يجعلهن هدفًا للتهميش أو الانتقاد، بينما المجتمع ككل يفتقر إلى آليات دعم فعالة للنساء المتضررات. بعض الجمعيات المحلية والدولية تعمل على تقديم الدعم النفسي والقانوني، لكن الموارد محدودة مقارنة بالحجم الكبير للمعاناة.

وتترك القوانين المحلية والدولية فجوات واضحة في حقوق النساء المتضررات من فقدان أقاربهن. في سوريا، لا يوجد حتى الآن آلية رسمية لتوثيق المفقودين أو متابعة أوضاعهم، مما يجعل من الصعب على العائلات المطالبة بحقوقها، سواء المتعلقة بالميراث أو المعاشات أو الحقوق القانونية للأطفال. هذا الغياب القانوني يعزز شعور العجز، ويترك النساء في حالة من الانتظار الدائم، ما يزيد من وطأة الحزن ويحول حياتهن اليومية إلى صراع مستمر.

ومع مرور السنوات، تبقى النساء في حالة انتظار مستمر، حيث كل خبر صغير، أو أمل بعيد، قد يشعل شعلة جديدة من الألم أو الأمل المؤقت. الكثير منهن يؤكدن أن أصعب لحظات حياتهن ليست الخسارة نفسها، بل العيش في غياب اليقين، مع تساؤلات لا نهاية لها: هل ما زال على قيد الحياة؟ هل يعاني؟ هل سأراه مرة أخرى؟

من جهة أخرى، يظهر المجتمع المدني السوري صوراً مدهشة من التضامن بين النساء المتأثرات، حيث تشكّل المجموعات النسائية شبكات دعم متبادلة، وتشارك الخبرات، وتساعد بعضها البعض في التعامل مع الأزمات الاقتصادية والنفسية. هذه التجمعات تمثل مساحة أمان مؤقتة، لكنها لا تعوض عن غياب العدالة أو الحلول الرسمية للمفقودين.

تظل قصص النساء اللواتي فقدن أحبائهن في سوريا تظل صادمة، تعكس عمق مأساة المجتمع السوري بعد أكثر من عقد من النزاع. وجع الأمهات والزوجات والأخوات لا يختفي مع مرور الوقت، بل يتضاعف مع غياب اليقين والعدالة، ويترك جروحًا نفسية واجتماعية عميقة. ومهما كانت الحلول المحدودة التي تقدمها الجمعيات المحلية والدولية، يظل السؤال المحوري: متى ستنتهي هذه المعاناة؟ متى ستعرف النساء مصير أحبائهن، أو على الأقل يشعرن بالطمأنينة التي فقدنها منذ سنوات؟

إن وجع أمهات وزوجات المفقودين في سوريا هو وجع مستمر، وجع بلا نهاية، يعكس ليس فقط آثار الحرب، بل أيضًا هشاشة المؤسسات الرسمية والاجتماعية في التعامل مع المأساة الإنسانية التي خلفها النزاع. هو وجع يحتاج إلى انتباه العالم، وحلول عملية، وموارد كافية لدعم هؤلاء النساء اللائي حملن عبء الصبر والمعاناة لأكثر من عشر سنوات، دون أن يعرفن نهاية قصتهن أو قصص أحبائهن.

- Advertisement -

- Advertisement -