لكل السوريين

دمشق والحلم الضائع.. تربية دودة الحرير بين الواقع والإهمال

دمشق/ مرجانة إسماعيل

في عام 2016، وبين أزقة العاصمة دمشق القديمة، شرع الشاب سامر في مغامرة غير تقليدية؛ اقتنع حينها بأن تربية دودة القز يمكن أن تكون متنفساً مالياً لعائلته التي تعمل منذ سنوات في متجر صغير للمنسوجات الحريرية. شارك سامر دورة تدريبية قصيرة نظّمها فرع الزراعة بدمشق، تعلّم خلالها مراحل التربية من بيوض الدودة حتى الشرانق، ومن ثم استخراج الخيط الحريري. وقتها بدا له الأمر واعداً، فاشترى أول علبة بيوض – مكونة من نحو 20 ألف يرقة – وكرّس غرفة بجانب بيته في ركن صغير تحوّلت إلى حاضنة تربوية.

لكن سرعان ما بدأ الواقع يصطدم بالتطلعات. في الموسم الأول خرج من العلبة نحو 35 كغ شرانق، وباعها إلى أحد ورشات النسيج العائدة للجدّ، وكانت أرباحه مشجعة للاستمرار. أما في الموسم التالي فارتفعت تكلفة البيوض المستوردة إلى نحو 300 ألف ليرة سورية للعلبة، وبعد فقسها توفي أكثر من 90% من اليرقات “في الطور الثاني”، ما جعل العائد ينخفض بشدة. في الموسم الثالث توقّف التوزيع كلياً، وأُبلغ بأن الوزارة أو الجهة المعنيّة “متوقفة” عن دعم تربية دودة القز بسبب “عدم توفر البيوض” واللوجستيات المصاحبة، وهو ما دفع سامر للتوقف وإغلاق مشروعه بعد أن رأى أن الخسارة أكبر من المخاطرة.

وفي أحد أحياء دمشق القديمة أيضاً، تعيش السيدة ليلى، التي جرّبت تربية دودة القز بوصفها “عمل إضافي” يدعم دخل الأسرة المنخفض. تقول ليلى: “أعددت الغرفة، وزرعت فداناً صغيراً بتوت ياباني بجهدي الخاص، وكنت أعتقد أن المشروع سيكون مستقلاً بعد سنتين”. لكن ما واجهته كان إرهاقاً مضاعفاً: ورق التوت القليل، تكاليف التغذية المرتفعة، صعوبة في شراء المعدات اللازمة للتشرنق والغزل، وضعف الطلب على الشرنق لأن المعامل التي كانت تستلمه أفلست أو توقفت عن العمل. ومع ذلك، حاولت ليلى أن تواصل، لكن حين تعرّضت الغرفة لانقطاع الكهرباء المتكرر، واجهت موت اليرقات بسبب ارتفاع الحرارة، فاضطرت للتخلص من المحصول والبحث عن بدائل عمل.

الخبرات المتراكمة في الجامعات والمراكز البحثية تؤكد ما عاشه سامر وليلى كقصص رمزية لمهنة كانت يوماً ما مكوّناً أساسياً من الاقتصاد السوري الريفي. مصدر زراعي سوري ذكر أن البلاد اضطرت لاستيراد أكثر من 3 ملايين بيضة دودة قز خلال موسم حديث، ما يعكس حجم التراجع في الإنتاج المحلي. كما أظهرت دراسة ميدانية أن تربية دودة القز في الساحل السوري، مثل اللاذقية، باتت “على أصابع اليد” من حيث عدد المربين والإنتاج محدود للغاية.

العوائق التي تواجه المهنة متعددة ومتشابكة. زراعة أشجار التوت بكميات كافية لم تعد تلقى الدعم المناسب، والموزّعة الزراعية تشهد نقصاً ملحوظاً، كما أن عدداً كبيراً من المربين توقف عن ممارستها بسبب تكاليف البدء: شراء البيوض، تجهيز العلب، تنظيم غرفة التربية، تأمين الورق والتغذية، بالإضافة إلى الكهرباء وأجهزة التحكم بالحرارة والرطوبة. كما أن التصريف – أي بيع الشرانق أو خيوط الحرير – أصبح عصياً نتيجة توقف بعض المعامل أو ضعف الطلب. الباحثون قالوا إن “لا توجد جهة مسؤولة كاملة عن تأمين الدورة الإنتاجية والتسويق”، ما اضطر الكثيرين لبيع الشرنق بسعر لا يغطي التكاليف.

في دمشق، رسم الشاب سامر خطة للتوسع، لكنه بعد سنوات من الانتظار والديون الصغيرة قرّر أن يغيّر وجهته؛ باع المعدات التي جمعها، وأغلق الغرفة، وتحوّل إلى تجارة صغيرة لقطع الأثاث القديمة. ليلى أيضاً توقفت، وعادت للعمل في محل خياطة داخل دمشق. أما ثالث، وهو مربي يدعى نادر من ضاحية دمشق، فجرب استيراد بيوض بنفسه، لكن حين ارتفع سعرها إلى ما يعادل نصف دخله السنوي، اقتنع بأنه من العبث مواصلة التجربة دون مخطط واضح للدعم والتسويق.

من الناحية التقنية، إعادة إحياء تربية دودة القز تحتاج إلى خطة شاملة: من زراعة التوت، وتوفير البيوض، وتدريب المربين، وتوفير محلات لتشرنق وغزل وتصنيع الحرير، وتوفير بدائل تسويقية، وربط الإنتاج المحلي بسوق التصدير أو الصناعات الثانوية. تقرير زراعي على موقع الوزارة أفاد بأن وزارة الزراعة بالتعاون مع غرفة زراعة دمشق وريفها قامت باستيراد علب بيوض من الهند – كل علبة تحتوي نحو 30 ألف بيضة – ضمن محاولة لإحياء القطاع، لكن ما يزال التأثير محدوداً على نطاق المشروع.

ومن الناحية الاقتصادية، يوضح الخبير الزراعي الدكتور خليل أن تربية دودة القز “مجديّة” إذا ما اعتمدت بطريقة منظّمة، لكن المخاطر المرتبطة بها عالية في الوضع السوري الحالي. وأوضح أن المشروع الصغير يمكن أن يحقق جدوى داخلية جيدة إذا توفرت المعدات والدورة التسويقية، لكن الواقع يعكس أن كثيرين من المربين اليوم يعملون “بالتجربة والمجازفة”.

تلخص قصتان من دمشق – سامر وليلى – واقعاً أكبر بكثير: مهنة تراثية تواجه الإهمال، وتقنيات مهجورة، وضعف البنية التحتية، وسوق غير مستقرّ. تربية دودة القز قد تبدو بسيطة: يرقة صغيرة، أوراق توت، غطاء شرنقة، وخيط حرير ثمين. لكن في ظل الأزمة السورية، تحولت الرسالة إلى “نأمل أن ينعش أحدنا ما نهضمه الآخر، لكن ليس لدينا خطة واضحة، والدعم سرعان ما يتوقف”. إذا أرادت دمشق أن تعيد لهذه المهنة الحياة، فستحتاج إلى أكثر من دورة تدريبية أو وعد دعم، بل إلى رؤية وطنية كاملة تزرع التوت، وتفقّس البيوض، وتربّي اليرقات، وتُصنّع الحرير، وتسوّقه في الأسواق المحلية والدولية، وإلا فستبقى قصص سامر وليلى مجرد ذكريات متسارعة لمهنة كادت أن تختفي.

- Advertisement -

- Advertisement -