في بلد أنهكته الحروب والنزاعات والانقسامات، تبرز قضية خطف النساء السوريات كواحدة من أكثر الظواهر المأساوية التي تعكس عمق التصدع الأخلاقي والاجتماعي في سوريا ما بعد الحرب. ليست مجرد حوادث متفرقة، بل نمطٌ متكرر وممنهج يشير إلى أن النساء أصبحن الورقة الأضعف في معادلة الانتقام السياسي والطائفي، وأن أجسادهن تحولت إلى أدوات لإرسال رسائل إذلال وانتقام بين أطراف النزاع.
في خضم هذا الواقع القاتم، جاءت حملة “أوقفوا خطف النساء السوريات” التي انطلقت في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 2025، لتشقّ جدار الصمت، وتضع الرأي العام السوري والدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية. هذه الحملة لم تكن مجرّد وسم عابر على مواقع التواصل، بل تحوّلت إلى حراكٍ مدني وحقوقي واسع جمع صحفيين وكتّابًا وناشطين سوريين من مختلف الانتماءات والمنافي، متحدين تحت راية واحدة: “لا لخطف النساء، ولا لتسليع أجسادهن في صراعات الذكور والسلطة والطائفة.”
خلفية الظاهرة: من الحرب إلى الانتقام الاجتماعي
مع انحسار رقعة المعارك العسكرية في سوريا وتراجع الخطوط الأمامية، لم تتراجع الانتهاكات ضد المدنيين. بل أخذت شكلًا آخر أكثر خفاءً وفتكًا.
منذ عام 2024، بدأت تتواتر تقارير محلية ودولية حول تزايد حالات اختطاف النساء في مناطق مختلفة من البلاد، خصوصًا في اللاذقية وطرطوس والسويداء وإدلب وحارم. معظم هذه الحالات، بحسب ناشطين حقوقيين، استهدفت نساءً من الأقليات الطائفية في مناطق متوترة، في إطار عمليات انتقام أو تصفية حسابات سياسية.
الحملة وثقت 112 حالة خطف مؤكدة منذ ديسمبر 2024 حتى نوفمبر 2025، منها 44 حالة ما زالت مستمرة حتى لحظة إعداد التقرير.
هذه الأرقام، رغم صغرها الظاهري مقارنة بحجم المأساة السورية الكبرى، تمثل مؤشراً خطيراً على تطور نمط جديد من العنف، لا يقوم فقط على السيطرة الجغرافية، بل على تدمير الروابط الاجتماعية والنفسية بين المكونات السورية.
تقارير العفو الدولية والأمم المتحدة ووكالة رويترز دعمت بدورها ما جاء في توثيقات الحملة، مؤكدة أن عدد الحالات المؤكدة يتراوح بين 36 و38 حالة موثقة بالأسماء والشهادات، وهو ما يشير إلى وجود فجوة كبيرة بين ما يُعلن رسميًا وما يُخفيه الخوف والوصمة المجتمعية.
الحملة: من وسم إلكتروني إلى حركة ضمير وطنية
لم يكن في نية منظمي الحملة أن يتحول عملهم إلى حركة مواجهة مع السلطة، بل كانت البداية مبادرة توعوية تطوعية.
لكن سرعان ما تجاوزت الحملة حدود منصات التواصل الاجتماعي لتصبح أحد أبرز الأصوات المدافعة عن حقوق النساء في سوريا خلال العام 2025.
اعتمدت الحملة أسلوبًا مزدوجًا: توثيق الحالات الميدانية عبر شبكة من المتطوعين، وحشد التضامن الرقمي والإعلامي عبر وسم #أوقفوا_خطف_النساء_السوريات الذي حصد مئات الآلاف من المشاركات خلال أيام قليلة.
كما أطلقت الحملة نموذجًا إلكترونيًا لتوقيع بيان تضامني يدعو إلى فتح تحقيقات مستقلة، وحماية فورية للمختطفات، ومحاسبة الجهات المسؤولة.
وانضمت إلى هذه الجهود منظمات نسوية وحقوقية بارزة مثل اللوبي النسوي السوري، حملة وينن، منظمة النساء الآن للتنمية، ومبادرة دولتي، في خطوة اعتُبرت نادرة من حيث حجم التنسيق بين المنظمات السورية المدنية التي غالبًا ما تعمل في عزلة جغرافية أو سياسية.
شهادات من القلب السوري: “الخطف ليس فعلًا فرديًا بل منظومة انتقام”
الكاتب والروائي عمر قدور كان من أوائل الأصوات التي دعمت الحملة، إذ دعا في منشورٍ له إلى تحقيق علني وشفاف في كل حالة اختطاف، معتبرًا أن “العدالة لا يمكن أن تتحقق ما دام مصير النساء يُختزل في بيانات رسمية صمّاء.”
أما الكاتب والمترجم راتب شعبو، فقد ذهب أبعد من ذلك حين وصف جرائم الخطف بأنها “ذات طابع طائفي ممنهج يهدف إلى إدامة الخوف والفرز بين السوريين”.
وأضاف: “حين تُخطف امرأة بسبب انتمائها الطائفي أو الجغرافي، فذلك يعني أن الجسد الأنثوي لم يعد إنسانًا بل رمزًا لطائفة كاملة يُراد إذلالها.”
الروائية روزا ياسين حسن أكدت في شهادتها أن العديد من المختطفات “يتعرضن للتعذيب والاغتصاب والزواج القسري، وأن بعض الحالات انتهت بمقتل الضحية بعد استغلالها جنسيًا.”
أما الكاتبة سمر يزبك فوصفت الخطف بأنه “شكل من الانتقام الجماعي المغلف بالعقاب الأخلاقي، حيث يُستخدم جسد المرأة كأداة لإرسال رسالة إذلال إلى طائفة بأكملها.”
وأضافت أن الحملة تستند إلى وثائق وشهادات حقيقية، وأنها “تعمل بالتنسيق مع منظمات دولية تمهيدًا لإمكانية رفع الملف إلى المحاكم الدولية إذا استمر الصمت الرسمي.”
الرد الرسمي: إنكارٌ وتبرير
في الثاني من نوفمبر 2025، خرجت وزارة الداخلية السورية ببيان رسمي تلاه المتحدث باسمها نور الدين البابا، أعلنت فيه نتائج لجنة التحقيق التي قالت إنها شُكلت في يوليو الماضي.
بحسب البيان، “تم التحقيق في 42 بلاغًا حول حالات اختفاء نساء في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، وتبيّن أن 41 منها ليست حقيقية، وأن السبب في معظمها هروب طوعي أو خلافات أسرية أو بلاغات كاذبة.”
هذا البيان لم يُهدّئ الرأي العام، بل أشعل موجة غضب واسعة بين النشطاء والمنظمات الحقوقية، الذين اعتبروا أن الحكومة “تحاول دفن القضية بدلًا من معالجتها”.
فقد أصدرت مجموعة من المنظمات السورية، بينها اللوبي النسوي السوري وحملة وينن ومنظمة النساء الآن للتنمية – لبنان، بيانًا مشتركًا أكدت فيه أن تقرير اللجنة “أعاد إنتاج منطق الإنكار والتجريم، محولًا الضحايا إلى متهمات.”
وجاء في البيان:
“بدلًا من أن يرسل التقرير رسالة طمأنة للرأي العام والضحايا، بعث برسالة معاكسة تُشجع المجرمين على مواصلة جرائمهم في ظل غياب المساءلة.”
حملات تشويه وتحريض: حين تُصبح المطالبة بالعدالة تهمة
عقب نشر بيان الداخلية، بدأت وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية حملة تشويه واسعة ضد القائمين على الحملة والمنظمات الداعمة لها، إذ وُصفت بأنها “تحريضية” و“ممولة من الخارج”، في محاولة لتقويض مصداقيتها أمام الرأي العام.
صفحات إلكترونية موالية للسلطة نشرت مقاطع ساخرة من الوسم، فيما اتهمت شخصيات إعلامية مقربة من الأجهزة الأمنية منظمي الحملة بـ”العمل ضمن أجندة خارجية تهدف إلى تشويه صورة الدولة السورية”.
ورأى مراقبون أن هذه الحملات “تكشف ضيقًا في صدر السلطات تجاه أي حراك مدني مستقل، خصوصًا حين يتناول قضايا النساء والانتهاكات الأمنية.”
الناشطة ديما صادق، إحدى المشاركات في الحملة من الخارج، قالت إن “رد السلطة بهذه الطريقة يؤكد أن القضية حقيقية ومقلقة لهم، لأنهم يخشون من أن تتحول المطالب إلى محاسبة دولية.”
وأضافت أن “المشكلة ليست فقط في الإنكار الرسمي، بل في استخدام الإعلام لتشويه الضحايا وتجريم من يتحدث عنهن.”
الأبعاد الاجتماعية والنفسية: بين الخوف والوصمة
تؤكد الدراسات الميدانية التي أجرتها منظمات نسوية سورية أن الخوف من الفضيحة والوصمة الاجتماعية يمثل أحد أكبر العوائق أمام الإبلاغ عن حالات الخطف أو الاغتصاب.
كثير من العائلات تفضّل الصمت أو الادعاء بأن ابنتها “هاجرت أو تزوجت” بدلاً من الاعتراف بأنها خُطفت أو تعرضت للعنف الجنسي، خشية العار أو الانتقام المجتمعي.
هذا الصمت يضاعف مأساة الضحايا، ويحوّل العنف ضد المرأة إلى عنفٍ صامت غير مرئي، يستمر دون توثيق أو مساءلة.
في الوقت ذاته، تتهم منظمات حقوقية السلطات السورية بـ“عدم اتخاذ أي إجراءات جدية لتأمين بيئة قانونية آمنة تسمح للنساء بالتبليغ أو المطالبة بحقوقهن دون خوف من العقاب أو التشهير.”
الحملة في مواجهة السلطة: معركة الرواية
بين الرواية الرسمية التي تنفي، والرواية الحقوقية التي توثق وتصرّ، تدور اليوم معركة على الذاكرة السورية.
من يملك الحق في تعريف الحقيقة؟
هل هي الدولة التي تحتكر الخطاب الأمني، أم المجتمع المدني الذي يحاول استعادة صوته بعد عقدٍ من القمع؟
يقول أحد منظمي الحملة – مفضلاً عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية – إن “المعركة الحقيقية ليست فقط حول من خطف النساء، بل حول من يملك روايتهن. السلطة تريد أن تُسكت الضحايا مرتين: مرة بالخطف، ومرة بالإنكار.”
جسد المرأة ليس ميدانًا للثأر
في النهاية، تبقى حملة “أوقفوا خطف النساء السوريات” أكثر من مجرد تحرك حقوقي؛ إنها صرخة ضمير جماعي تواجه بنية العنف المتجذرة في المجتمع السوري.
فالخطف والزواج القسري والاستعباد الجنسي ليست قضايا هامشية، بل مؤشرات خطيرة على تفكك الدولة والمجتمع، وتهديد مباشر لأي مشروع مصالحة أو عدالة انتقالية مستقبلية.