لكل السوريين

“الخطوة” تحصد الأرواح في الرقة.. سلاح منتشر ونزاعات عشائرية وغياب للردع الأمني

السوري ـ خاص 

لم تعد حوادث إطلاق النار في محافظة الرقة ترتبط فقط بالخلافات العائلية أو النزاعات العشائرية المباشرة، بل باتت حالات القتل العرضي، التي يطلق عليها الأهالي محلياً اسم «الخطوة»، جزءاً من مشهد أمني يثير القلق، في ظل الانتشار الواسع للسلاح وتراجع قدرة الجهات المعنية على ضبطه، الأمر الذي يترك أبواباً مفتوحة أمام حوادث قد تبدأ برصاصة طائشة وتنتهي بجنازة.

وخلال الفترة الأخيرة، برزت في مدينة الرقة وريفها وقائع متعددة لاقتتالات ونزاعات مسلحة، بعضها اندلع على خلفيات عشائرية أو اجتماعية، فيما سقط آخرون ضحايا نتيجة إطلاق نار لم يكونوا طرفاً فيه. وبينما تحاول العائلات احتواء تداعيات هذه الحوادث بالصلح والعرف العشائري، تبقى المشكلة الأوسع مرتبطة بغياب الردع ومنع السلاح من التحول إلى وسيلة سهلة لحسم الخلافات.

ثلاث وفيات في الحمرات خلال فترة قصيرة

في منطقة الحمرات الواقعة شرقي الرقة، والتي تمتد على مسافة تتجاوز 20 كيلومتراً على الطريق الواصل بين الرقة ودير الزور، تركت حوادث متكررة خلال فترة وجيزة أثراً ثقيلاً على الأهالي.

فقد شهدت المنطقة، بحسب روايات محلية، مقتل ثلاثة شبان في حوادث منفصلة نتيجة إطلاق نار عرضي، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي باتت تحيط بالسكان، حتى بالنسبة لمن لا علاقة لهم بالنزاعات القائمة.

وتقول روايات من أبناء المنطقة إن جميع الضحايا لم يكونوا أطرافاً في الخلافات التي سبقت إطلاق النار، وإنما وجدوا أنفسهم في المكان الخطأ وفي اللحظة الخطأ، لتتحول رصاصة واحدة إلى مأساة لعائلة كاملة.

ولا تقف تداعيات هذه الحوادث عند فقدان الأرواح، إذ تفتح بعض عمليات القتل العرضي الباب أمام موجات جديدة من التوتر، خصوصاً عندما تتداخل المسؤولية الشخصية مع الاعتبارات العشائرية، فتتحول حادثة عرضية إلى نزاع يصعب احتواؤه.

منطقة واسعة بلا مركز أمني

تطرح منطقة الحمرات مثالاً واضحاً على إشكالية الانتشار السكاني والجغرافي مقابل محدودية الوجود الأمني.

فعلى الرغم من امتداد المنطقة لمسافة تزيد على 20 كيلومتراً، ووقوعها على طريق حيوي يصل الرقة بدير الزور، لا يوجد فيها، وفق ما يقوله الأهالي، مخفر أو نقطة أمنية دائمة بالقدر الذي يتناسب مع اتساع المنطقة وحجمها، باستثناء حاجز واحد.

ويرى سكان أن غياب النقاط الأمنية الثابتة يترك مساحات واسعة من المنطقة من دون حضور أمني مباشر، الأمر الذي يجعل التدخل في حالات الشجار أو إطلاق النار مرتبطاً بسرعة وصول الدوريات من مناطق أخرى، وهي مسألة قد تكون حاسمة عندما يتعلق الأمر باستخدام السلاح.

ويقول أحد سكان المنطقة، في حديث لـ«صحيفة السوري»، إن المشكلة لا تكمن في وقوع حادثة واحدة، وإنما في تكرارها والشعور المتزايد لدى السكان بأن «الخلاف يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى إطلاق نار».

السلاح في متناول الجميع

يرتبط تصاعد حوادث القتل العرضي، وفق شهادات محلية، بانتشار السلاح الفردي في المجتمع، وتحوله من أداة مرتبطة بالظروف الأمنية السابقة إلى وسيلة موجودة في الحياة اليومية لدى شرائح مختلفة.

ومع وجود السلاح في المنازل والسيارات والمناسبات الاجتماعية، تصبح احتمالات وقوع حوادث غير مقصودة أكبر، خصوصاً عندما لا تكون هناك رقابة فعالة على حيازته أو استخدامه.

وفي بعض الحالات، لا يحتاج الأمر إلى نزاع كبير حتى تقع الكارثة؛ فقد يكفي إطلاق النار في الهواء خلال مناسبة، أو التعامل غير الآمن مع سلاح، أو تدخل مسلح في خلاف بسيط، حتى تسقط ضحية لا علاقة لها بالمشكلة.

وهنا تبرز خطورة ما يسميه الأهالي «الخطوة»، لأنها لا تختار ضحاياها، ولا تمنح الشخص الموجود في المكان فرصة للابتعاد.

من الخلاف الشخصي إلى الاقتتال العشائري

تتخذ بعض الخلافات في ريف الرقة طابعاً عشائرياً سريعاً، خصوصاً عندما تدخل عائلات أو مجموعات اجتماعية على خط المشكلة.

ويؤدي ذلك أحياناً إلى اتساع دائرة النزاع من خلاف بين شخصين إلى مواجهة بين مجموعتين، ما يزيد احتمالات استخدام الأسلحة ويصعّب مهمة احتواء الموقف.

وفي ظل ضعف حضور المؤسسات الرسمية في بعض المناطق الريفية، يلجأ المجتمع المحلي في كثير من الأحيان إلى الوجهاء وشيوخ العشائر لحل النزاعات، وهو دور يمكن أن يساهم في منع التصعيد، لكنه لا يستطيع وحده معالجة مشكلة انتشار السلاح أو منع تكرار الحوادث.

فالصلح العشائري قد ينهي نزاعاً محدداً، لكنه لا يعالج بالضرورة الظروف التي أنتجت الحادثة، ولا يضمن ألا تتكرر بعد أيام أو أسابيع في مكان آخر.

الضحية قد لا تكون طرفاً

أخطر ما تكشفه ظاهرة «الخطوة» أن المواطن لم يعد بحاجة إلى الدخول في نزاع حتى يصبح هدفاً للرصاص.

قد يكون ماراً على الطريق، أو جالساً أمام منزله، أو موجوداً في مكان قريب من مشاجرة، ثم يجد نفسه ضحية لطلقة لم تكن موجهة إليه أساساً.

هذه المعادلة تفرض سؤالاً يتجاوز الحادثة الفردية: من يحمي المدنيين عندما يصبح السلاح حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية؟

فالأمن لا يعني فقط الوصول إلى مكان الجريمة بعد وقوعها، وإنما يبدأ من منع وقوعها، وضبط السلاح، وفرض القانون، ووجود مؤسسات قادرة على التدخل السريع قبل أن يتحول الخلاف إلى مأساة.

غياب الردع يعيد إنتاج الخوف

يرى أهالٍ من المنطقة أن تكرار حوادث القتل والاقتتال يؤدي إلى حالة من الخوف وعدم اليقين، خصوصاً عندما يشعر السكان بأن الحوادث المتشابهة تتكرر دون حلول جذرية.

ويحذر أبناء المنطقة من أن استمرار الوضع على حاله قد يؤدي إلى تطبيع المجتمع مع مشاهد إطلاق النار والاقتتال، بحيث يصبح سقوط الضحايا خبراً متكرراً بدلاً من أن يكون حادثاً استثنائياً.

كما أن استمرار النزاعات دون معالجة قانونية واضحة قد يشجع أطرافاً أخرى على اللجوء إلى القوة، باعتبارها الطريق الأسرع لفرض الأمر الواقع أو تحصيل الحقوق.

المطلوب.. أمن قبل أن تكون هناك جنازة جديدة

لا تبدو معالجة الظاهرة مرتبطة بإجراء واحد، بل تحتاج إلى مقاربة أمنية واجتماعية متكاملة تبدأ بتعزيز الوجود الأمني في المناطق الريفية واسعة المساحة، وخصوصاً المناطق التي تشهد نزاعات متكررة.

كما يتطلب الأمر ضبط حيازة السلاح واستخدامه، وتشديد الإجراءات القانونية بحق مطلقي النار عشوائياً، إلى جانب دعم دور الوجهاء والعشائر في احتواء الخلافات، من دون أن يتحول العرف العشائري إلى بديل عن مؤسسات الدولة والقانون.

وفي منطقة مثل الحمرات، حيث تمتد التجمعات السكانية لمسافة طويلة على طريق حيوي، تبدو الحاجة إلى نقاط أمنية أكثر انتشاراً واستجابة أسرع للحوادث أمراً يتجاوز الجانب الأمني إلى حماية حياة المدنيين.

«الخطوة» ليست قدراً

ثلاثة شبان فقدوا حياتهم في حوادث منفصلة خلال فترة قصيرة في منطقة واحدة، بحسب روايات الأهالي، قد تبدو أرقاماً محدودة عند مقارنتها بحجم المنطقة، لكنها بالنسبة إلى عائلات الضحايا ليست أرقاماً على الإطلاق.

كل رصاصة عشوائية تعني احتمال فقدان أب أو ابن أو شقيق، وكل نزاع مسلح يحمل معه احتمال أن تتوسع دائرة الضحايا إلى أشخاص لم يكونوا جزءاً من الخلاف.

وفي الرقة، التي أنهكتها سنوات الحرب وتداعياتها الأمنية والاجتماعية، يبدو أن الخطر لم يعد محصوراً في جبهات القتال، بل انتقل إلى الطرقات والأحياء والقرى والمجالس العشائرية.

وبين انتشار السلاح وضعف الردع وغياب الحضور الأمني في مناطق واسعة، تبقى «الخطوة» اسماً محلياً لمشكلة أكبر: عندما يضعف القانون، تصبح حياة المدنيين معلقة على طلقة قد تصيب صاحبها وقد تصيب عابراً لا ذنب له.

- Advertisement -

- Advertisement -