لكل السوريين

أهالي ريف اللاذقية عاجزون عن حراثة أراضيهم وسط أزمة اقتصادية خانقة

اللاذقية/ يوسف علي

يُعتبر الزيتون وزيته الركيزة الأساسية للاقتصاد الزراعي في ريف اللاذقية، إذ يعتمد عليه أكثر من 70% من سكان القرى الريفية كمصدر دخل رئيسي منذ عقود. لكن هذا الموسم يبدو مهدداً على نحو غير مسبوق، حيث يواجه المزارعون صعوبات كبيرة في حراثة الأراضي وتجهيزها لموسم القطاف، وسط موجة جفاف خانقة وارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج، يقابله غياب شبه كامل للدعم الحكومي.

تشير تقديرات زراعية محلية إلى أن معدلات الهطول المطري في الساحل السوري انخفضت هذا العام بنحو 40% عن المعدل السنوي، الأمر الذي انعكس مباشرة على خصوبة التربة وإنتاجية أشجار الزيتون.

يقول “أمين” (55 عاماً)، مزارع من ريف جبلة: “الأرض عطشت، والمطر قليل، والشجر ضعيف، من دون حراثة وري ما لن يبقى إنتاج”.

وأضاف، كنا نعتمد على الشتاء في سقاية الأرض، لكن هذا العام الوضع كارثي.

ووفق توقعات مزارعين، فإن نسبة الإنتاج قد تنخفض بين 30 – 50% مقارنة بالمواسم السابقة، ما يجعل الحراثة خطوة مصيرية لإنقاذ ما تبقى من الموسم.

تكاليف الحراثة كعبء لا يُحتمل

ارتفعت كلفة حراثة الدونم الواحد إلى ما بين 150 – 200 ألف ليرة سورية، تبعاً لطبيعة الأرض وبعدها عن مراكز القرى، أما تكلفة حراثة الهكتار (10 دونمات) فقد تجاوزت 1.5 مليون ليرة، وهو رقم يفوق بكثير قدرة معظم المزارعين، خاصة أن متوسط دخل الأسرة الريفية لا يتجاوز 300 – 500 ألف ليرة شهرياً.

يضيف يامن، مزارع شاب من ريف القرداحة: لدي 20 دونم زيتون، كلفة حراثتها ما يزيد عن 3 ملايين ليرة، من أين لي هذا المبلغ الكبير؟ راتبي لا يكفي الخبز. تركنا الأرض لمصيرها، وسنهجرها إن توفر البديل المناسب الذي يعيل اسرنا، هذا غير أن الموسم غير جيد هذا العام بسبب الجفاف وعدم تقديم الأسمدة والمواد الداعمة للأشجار”.كما تضاعفت أجور تشغيل الجرارات نتيجة ارتفاع أسعار المازوت في السوق السوداء، إذ بلغ سعر الليتر أكثر من 12 ألف ليرة، في حين يحتاج الجرار الواحد إلى عشرات الليترات لحراثة مساحة محدودة.

إلى جانب الجفاف وارتفاع تكاليف الحراثة، يواجه مزارعو الزيتون في ريف اللاذقية تحديات إضافية تتمثل في انتشار الآفات الزراعية والزواحف داخل البساتين، فقد ازدادت في السنوات الأخيرة حدة انتشار ذبابة الزيتون وحفار الساق وعين الطاؤوس، وهي آفات تؤدي إلى تراجع نوعية الثمار وانخفاض نسبة الزيت المستخرج منها.

تقول “حسنة”، وهي إمرأة من ريف الحفة: “أصبحنا نخاف الدخول إلى البستان، الأفاعي والعقارب والجرذان في كل مكان، لا يمكننا حراثة الأرض ولا رشها، العشب جاف ومليء بالحشرات، والمزارع وحده من يتحمل الأعباء”.

غياب الدعم الحكومي

رغم إدراك أهمية محصول الزيتون كمنتج استراتيجي غذائياً وتجارياً، لم يحصل المزارعون على أي دعم مباشر من الحكومة الانتقالية، إذ لم تُوفّر المحروقات بأسعار مدعومة، ولم يتم طرح برامج تمويل صغيرة لتغطية تكاليف الحراثة أو العناية بالمحاصيل.

المهندس الزراعي علي يوسف، خبير في المحاصيل الزيتية، يوضح، غياب الدعم الحكومي يهدد استمرارية زراعة الزيتون في الساحل السوري، المزارع اليوم يواجه ثلاثية قاتلة: الجفاف، ارتفاع التكاليف، وانتشار الآفات. المطلوب تدخل سريع عبر دعم المحروقات وتمويل بسيط للمزارعين، وإلا سنتجه نحو انهيار قطاع استراتيجي يشكل عصب الاقتصاد الريفي”.

من المتوقع أن ينخفض إنتاج الزيت في ريف اللاذقية هذا العام بنسبة تصل إلى 40%، وهو ما سينعكس على أسعار الزيت محلياً، وربما يؤدي إلى زيادة فاتورة الاستيراد في حال استمرار التراجع.

بالإضافة إلى أن أكثر من 60 ألف عائلة ريفية تعتمد على الزيتون كمصدر دخل أساسي، مهددة بفقدان رزقها، مما يرفع معدلات الفقر والهجرة الداخلية نحو المدن.

تظهر أزمة مزارعي الزيتون في ريف اللاذقية كجرس إنذار يتجاوز حدود هذا الموسم، لتكشف هشاشة القطاع الزراعي أمام التغيرات المناخية وغياب الدعم المؤسسي. وإن استمرار تجاهل معاناة المزارعين قد يؤدي إلى تراجع خطير في إنتاج الزيتون وزيته، وفقدان آلاف الأسر لمورد رزقها الأساسي. لذلك فإن أي تأخير في توفير حلول عملية، كتأمين المحروقات بأسعار معقولة أو إطلاق برامج تمويل ودعم مباشر، سيعني خسارة أحد أهم أعمدة الاقتصاد الريفي والاجتماعي في المنطقة.

- Advertisement -

- Advertisement -