لكل السوريين

السعودية وتركيا في طهران: قراءة في توازنات الإقليم وإعادة تشكيل خرائط القوة

هيئة التحرير

تشكّل الزيارة المشتركة للوفدين السعودي والتركي إلى العاصمة الإيرانية طهران، ولقاؤهما بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، حدثًا لافتًا في سياق التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط. فالزيارة التي جرت يوم الأحد 30 نوفمبر لم تكن لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل بدت أقرب إلى مفترق طرق سياسي يرسم ملامح مرحلة جديدة من التفاعل بين ثلاث قوى محورية في المنطقة: السعودية، تركيا، وإيران. وقد حملت الاجتماعات رسائل سياسية تتجاوز إطار تبادل المجاملات الدبلوماسية، لتصل إلى تخوم إعادة توازن القوى وفتح باب مقاربة جديدة لإدارة الملفات الساخنة التي أنهكت الإقليم في العقدين الأخيرين.

توقيت الزيارة لم يكن صدفة. فالعالم يشهد في السنوات الأخيرة تصاعدًا في الهواجس المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وتعاظم القوة الصاروخية لطهران، إضافة إلى توسّع نفوذها في ساحات عربية كالعراق وسوريا ولبنان واليمن. ومن هنا يمكن فهم سعي الرياض وأنقرة إلى فتح قنوات تفاوض مباشرة مع طهران، في لحظة تتزايد فيها الضغوط الأميركية والدولية عليها لدفعها إلى التراجع عن مشاريعها التسلحية والإقليمية. فالسعودية التي خبرت علاقة متوترة مع إيران وصلت إلى حد القطيعة، وتركيا التي تحاول موازنة علاقاتها بين الغرب والجوار الإقليمي، تدركان أن الحلول الأمنية وحدها لم تعد كافية لضمان الاستقرار، وأن الدبلوماسية الوقائية قد تكون الوسيلة الأنجع لاحتواء أي انفجار محتمل.

ولا يمكن فصل هذه الزيارة عن المشهد الدولي الأوسع. فواشنطن، التي لا تزال اللاعب الأبرز في ملفات الشرق الأوسط، تمارس دورًا خفيًا في دفع الأطراف إلى الحوار منعًا لانزلاق المنطقة إلى مواجهة مباشرة قد تشعل جبهات متوازية وتضر بمصالحها. ورغم أن الخطاب الأميركي الرسمي يبدو في كثير من الأحيان منفصلاً عن التحركات الميدانية، إلا أن ثمة تقاطعًا واضحًا في المصالح بين واشنطن وكل من الرياض وأنقرة في ملف احتواء إيران مع تجنب مواجهة مفتوحة معها. فمن جهة، ترغب الولايات المتحدة في إضعاف القدرات الإيرانية دون إشعال حرب تُهدد أسواق الطاقة العالمية، ومن جهة أخرى تسعى للحفاظ على توازن يمنع إسرائيل من الانفراد بقرار المواجهة العسكرية دون حسابات دقيقة للعواقب.

وتتزامن هذه التطورات مع تصعيد إسرائيلي ملحوظ يتمثل في تصريحات متكررة عن نية توجيه ضربات جديدة لإيران بذريعة تطوير قدراتها النووية. لكن هذا المسار التصادمي لا يحظى بتأييد إقليمي واسع، خصوصًا مع سعي السعودية وتركيا لإبقاء الباب مفتوحًا أمام تفاهمات دبلوماسية تقلل من خطر الانفجار. فاللقاء في طهران يمكن قراءته كرسالة موازنة للتهديدات الإسرائيلية، وكإعلان غير مباشر بأن القرارات الكبرى المتعلقة بمستقبل الأمن الإقليمي لن تُتخذ دون حضور القوى العربية والإسلامية الفاعلة.

العلاقات السعودية — الأميركية عادت في السنوات الأخيرة إلى حالة من التدفّق بعد مرحلة فتور في عهد إدارة بايدن. ومن أبرز المؤشرات على ذلك إعادة إحياء اتفاقية “كوينسي” التاريخية، والتوصل إلى تفاهم استراتيجي تُرجِم بموافقة واشنطن على تزويد الرياض بطائرات إف-35 المتقدمة، بما يعزّز مكانة المملكة كقوة إقليمية قادرة على الدفاع عن مصالحها. وفي موازاة ذلك، تعززت العلاقات التركية — الأميركية بعد زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان للبيت الأبيض في سبتمبر الماضي، واتساع رقعة التعاون العسكري والتقني بين الجانبين. وقد أسهم هذا التقارب في منح أنقرة هامش حركة أكبر في ملفات حساسة مثل سوريا وغزة وشرق المتوسط.

لكن هذا التقارب مع الولايات المتحدة لم يمنع الرياض وأنقرة من تبني سياسة استقلالية نسبيًا، خصوصًا في مواجهة مشاريع تل أبيب التي تسعى — وفق رؤية نتنياهو — لفرض واقع جديد في المنطقة قائم على فكرة “الشرق الأوسط الجديد” المتمركز حول إسرائيل كلاعب محوري. وهنا يأتي موقف السعودية الرافض لأي تطبيع مع إسرائيل قبل تحقيق حل الدولتين كخط أحمر ثابت، ما يعكس فهمًا سعوديًا بأن أي سلام لا يقوم على عدالة سياسية سيُنتج توترات جديدة بدل إنهاء القديمة.

على الجانب الآخر، تملك إيران رغم أزماتها الاقتصادية ضلوعًا وثيقة في خرائط القوى الإقليمية عبر حضورها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وهذا الوجود، رغم ما يشكله من تحديات، يمنح طهران أوراق ضغط تجعل تجاوزها في أي معادلة إقليمية أمرًا شبه مستحيل. ومن هنا يمكن قراءة زيارة الوفدين السعودي والتركي باعتبارها محاولة لترويض النفوذ الإيراني عبر الاحتواء بدل المواجهة، وإبقائه ضمن مستوى يمكن التعايش معه دون تمكينه من اختلال التوازن.

وتبرز أهمية هذا الحراك السياسي إذا ما وضعنا في الحسبان حساسية ملف الطاقة. فإسرائيل تحاول توسيع نطاق نفوذها في غزة وسوريا، مع تطلّعات للسيطرة على موارد الغاز وربطها بمشاريع التصدير نحو أوروبا. وهذا التمدد يشكل تهديدًا لمصالح السعودية في سوق الطاقة العالمية، خصوصًا مع احتمال تعطّل شحنات النفط عبر مضيق هرمز في حال اندلاع حرب مباشرة مع إيران. وبالتالي فإن استقرار المنطقة ليس رفاهية سياسية، بل ضرورة استراتيجية واقتصادية.

خلاصة المشهد

تؤكد زيارة الرياض وأنقرة لطهران أن القوى الإقليمية الكبرى بدأت تدرك أن مستقبل الشرق الأوسط لا يُرسم فقط في واشنطن أو تل أبيب، بل في العواصم الإقليمية نفسها. وأن لغة الحوار — وليس القصف — قد تكون السبيل الوحيد لتفكيك عقد الصراع وتجنب انفجار شامل يمكن أن يمتد من الخليج إلى المتوسط.

إنها زيارة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة هندسة العلاقات الإقليمية، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن الشرق الأوسط لن يُدار بعد اليوم عبر سياسة المحاور المغلقة، بل عبر توازن دقيق بين الردع والتفاهم، القوة والدبلوماسية، الأمن والمصالح المشتركة.

وإذا ما استمر هذا النهج، فربما نشهد في السنوات المقبلة خارطة سياسية أكثر استقرارًا، لا تُقصي إيران ولا تسمح لإسرائيل بالانفراد بقرار الحرب، وتعيد للسعودية وتركيا دورهما كركيزتين أساسيتين في معادلة الأمن الإقليمي.

- Advertisement -

- Advertisement -