لكل السوريين

استغلال الصفة الأمنية لابتزاز الآخرين.. تجارة الخوف تستهدف المجتمع السوري

تقرير/ جمانة الخالد

في الآونة الأخيرة، ازدادت بشكل ملحوظ الجرائم التي يمارس فيها أشخاص غير مختصين أو مجرمون صفة العاملين في الأجهزة الأمنية أو الحكومية بهدف ابتزاز الآخرين مالياً ونفسياً، مستغلين التخويف وغياب الوعي القانوني لدى الضحايا. هذه الظاهرة لم تعد مجرد حوادث معزولة، بل أصبحت تهديداً متنامياً يؤثر على الأمن الاجتماعي والاقتصادي في المجتمعات، خصوصاً مع انتشار تقنيات الاتصال الحديثة التي تتيح للمبتزين الوصول إلى ضحاياهم بسهولة أكبر.

في إحدى المدن الكبيرة، وقع رجل أعمال محلي ضحية عملية احتيال معقدة حين تلقى اتصالاً من شخص ادعى أنه ضابط في جهة رسمية، وأبلغه بوجود شحنة محتجزة باسمه بسبب “اشتباه قانوني”.

خلال أيام قليلة، تواصل معه أشخاص آخرون قدموا أنفسهم كموظفين في أكثر من جهاز رسمي، وهددوه باتخاذ إجراءات قانونية عاجلة بحقه إذا لم يبادر إلى “تسوية الوضع”، تحت الضغط النفسي والخوف من الفضيحة، قام الرجل بتحويل مبالغ مالية كبيرة قبل أن يكتشف لاحقاً أنه كان ضحية شبكة احتيال منسقة تستغل الصفة الأمنية الوهمية.

وفي قصة أخرى، تعرّض زوجان شابان للابتزاز بعد أن أوقفهما شخصان يرتديان ملابس مدنية وادعيا أنهما عنصران أمنيان، طلبا منهما إبراز هوياتهما، ثم زعما أن وجودهما في المكان يشكل “مخالفة أخلاقية”. بعد ذلك، جرى تهديد الزوجين بتحويلهما إلى جهة تحقيق مختصة ما لم يتم دفع مبلغ مالي فوراً. الخوف من التشهير الاجتماعي دفعهما إلى الدفع، قبل أن يتبين لاحقاً أن المبتزين ليسوا سوى أفراد عاديين استغلوا الخوف والوصمة الاجتماعية.

ولا يقتصر هذا النوع من الجرائم على المواجهات المباشرة، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي. في إحدى الحالات، تلقى موظف متقاعد اتصالاً من شخص ادعى أنه يعمل في جهاز أمني حساس، وأبلغه بأن اسمه ورد في “تحقيق مالي خطير”. طُلب منه عدم مراجعة أي جهة “حفاظاً على سرية التحقيق”، وتحويل مبلغ من المال إلى حساب مؤقت بزعم أنه إجراء روتيني لإثبات حسن النية. استمر الابتزاز أياماً، ترافق مع تهديدات مبطنة بالتوقيف، قبل أن يشك الضحية بالأمر ويتوقف عن الدفع.

تعتمد هذه الأساليب على عنصر الخوف بالدرجة الأولى، إذ يستغل المبتزون هيبة المؤسسات الأمنية وجهل بعض المواطنين بالتفاصيل القانونية. وغالباً ما يستخدمون مصطلحات رسمية، وأسماء وهمية، وسيناريوهات معقدة لإرباك الضحية ومنعه من التفكير العقلاني أو طلب المشورة. في كثير من الحالات، يُطلب من الضحية السرية التامة، وهي إحدى العلامات الأساسية على الاحتيال.

اجتماعياً، تترك هذه الجرائم آثاراً عميقة لا تقتصر على الخسائر المادية فقط، بل تمتد إلى زعزعة الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية. فالضحية، حتى بعد اكتشاف الحقيقة، قد تتردد في الإبلاغ خوفاً من الإحراج أو الشك أو التعقيدات الإدارية، ما يشجع المبتزين على الاستمرار واستهداف ضحايا جدداً.

من الناحية القانونية، يُعد انتحال الصفة الأمنية جريمة خطيرة في معظم القوانين، لا تقل خطورة عن الابتزاز نفسه، لما تحمله من إساءة مباشرة لهيبة الدولة ومؤسساتها. إلا أن تطور أساليب الاحتيال، خاصة عبر وسائل الاتصال الحديثة، يفرض تحديات إضافية على الجهات المختصة في ملاحقة الجناة وإثبات التهم.

للحد من انتشار هذه الظاهرة، يشدد مختصون على أهمية التوعية المجتمعية، وضرورة عدم الاستجابة لأي تهديد أو طلب مالي خارج الأطر الرسمية، والتأكد دائماً من هوية أي شخص يدّعي صفة أمنية عبر القنوات المعروفة. كما أن الإبلاغ المبكر يلعب دوراً حاسماً في منع تكرار هذه الجرائم وحماية الآخرين من الوقوع في الفخ ذاته.

يبقى استغلال الصفة الأمنية لابتزاز الآخرين أحد أخطر أشكال الجرائم الصامتة، لأنه يتغذى على الخوف وانعدام الثقة. ومواجهته تتطلب جهداً مشتركاً بين المؤسسات الرسمية والمجتمع، يقوم على الشفافية، والوعي، وكسر حاجز الصمت الذي يسمح لمثل هذه الممارسات بالاستمرار.

- Advertisement -

- Advertisement -