حلب/ خالد الحسين
على أطراف المدينة القديمة في حلب وتحديداً في ساحة باب الفرج، ترتفع ساعة باب الفرج شامخة منذ أكثر من قرن، لتكون أحد أبرز معالم المدينة ورمزاً من رموزها التي ارتبطت بذاكرة الحلبيين. هذا البناء الذي يعلوه وجه الساعة لم يكن مجرد مؤشر للوقت، بل تحول إلى نقطة التقاء ومرجع أساسي في حياة الناس اليومية، حتى صارت عبارتا “نلتقي عند الساعة” و”امشي باتجاه الساعة” من أكثر العبارات تداولاً في أحاديث أهل المدينة.
شُيدت الساعة في الفترة ما بين عامي 1898 و1899، على يد المعماري الفرنسي–النمساوي شارل شارتييه وبالتعاون مع المهندس الحلبي بكر صدقي، وبرعاية الوالي رفعت باشا بحسب ما ذكرت المصادر التاريخية وقد حملت في طرازها لمسات عثمانية ممزوجة بروح الباروك الأوروبي، وبلغ ارتفاعها نحو ثمانية وعشرين مترًا، وزُوّدت بأربعة وجوه زجاجية مضيئة جعلتها مرئية من جميع الاتجاهات. كان الهدف من إنشائها أن تكون علامة حضارية تعكس ارتباط حلب بالحداثة وتنظيم الوقت، خصوصاً في فترة شهدت نشاطاً تجارياً واسعاً عبر أسواقها وخاناتها.
ومع موقعها الحيوي عند مدخل باب الفرج، أحد الأبواب التاريخية لأسوار حلب القديمة، صارت الساعة علامة بارزة تتوسط الحركة التجارية والاجتماعية في المدينة. فهي تقع عند نقطة التماس بين الأسواق التقليدية مثل سوق الزرب وسوق العطارين من جهة، والمناطق الحديثة نسبياً مثل شارع فيصل وساحة سعد الله الجابري من جهة أخرى. ولهذا السبب اعتُبرت الساعة منذ بداية القرن العشرين نقطة عبور لا بد منها لأي زائر أو تاجر أو مسافر.
أهمية الساعة لا تقتصر على قيمتها العمرانية فقط، بل على مكانتها في وجدان الناس. فهي بالنسبة لأهالي حلب علامة مكانية يلتقون عندها، ويعطون من خلالها الاتجاهات، حتى أصبح اسمها جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. ويصعب على زائر لحلب أن يمر بالمدينة من دون أن يسمع بساعة باب الفرج أو يلتقط صورة لها.
في لقاء “السوري” مع ناديا عبد الغني، عضو في المركزي الثقافي بحلب، تحدثت عن القيمة الرمزية للساعة قائلة: “إنها شاهد على مراحل متعددة من تاريخ المدينة، فهي ليست مجرد برج بل رمز للحضارة والانفتاح. لقد استطاعت أن تجمع بين العمارة والفائدة العامة، ولهذا بقيت في ذاكرة الحلبيين على مر الأجيال”. وأكدت أن الحفاظ عليها اليوم يعد مسؤولية ثقافية بقدر ما هو عمراني، فهي جزء من الهوية الجماعية وليست مجرد معلم سياحي.
أما أبو محمد، أحد باعة الكتب القريبين من الساحة، فقد روى لنا تجربته اليومية معها قائلاً: “منذ أربعين سنة وأنا أبيع الكتب هنا، وكل من يسألني عن عنوان مكان ما أقول له: امشي باتجاه ساعة باب الفرج. هي بالنسبة لي أكثر من ساعة، هي علامة أعيش معها يوميًا. حتى زبائني القدامى، عندما يودون لقائي بعد سنوات، يقولون لي نلتقي عند الساعة، وكأنها عنواني الدائم”.
وعند سؤال أحد أصحاب المحال التجارية المجاورة، السيد خالد الحلبي، أوضح أن موقع الساعة بالغ الأهمية بقوله: “هي تقع على أطراف المدينة القديمة تمامًا، عند نقطة التماس بين الأسواق التاريخية والمناطق الحديثة، وهذا ما يجعلها نقطة جذب أساسية. كثير من الزوار والسياح يمرون من هنا لأنها بوابة الدخول إلى قلب حلب، ومكان استراحة قبل متابعة جولتهم. وجودها ينعكس إيجابًا على تجارتنا، فهي تلفت الأنظار وتجعل المنطقة أكثر حيوية بالإضافة إلى أنها ساهمت في تشغيل المحلات التجارية المجاورة لها ما ساهم في زيادة النشاط التجاري المنطقة.