في الوقت الذي يشهد فيه العالم ثورة غير مسبوقة في مجال الذكاء الاصطناعي، يتصدر التشخيص الطبي الذكي قائمة أبرز التطبيقات التي قد تغيّر شكل الرعاية الصحية خلال العقود القادمة. فالخوارزميات اليوم قادرة على قراءة الصور الشعاعية والطبقية وتحليل مخططات القلب والأمواج الصوتية بدقة قد تضاهي، وأحياناً تتفوق على، خبرة الأطباء البشر.
لكن ماذا يعني ذلك بالنسبة لسوريا، التي تعيش واحدة من أعقد الأزمات الصحية في تاريخها الحديث؟ وهل يمكن للتكنولوجيا أن تردم فجوة النقص في الكوادر الطبية وتخفف من معاناة المرضى؟
فجوة صحية متسعة
تقدّر نقابة الأطباء أن سوريا فقدت خلال العقد الأخير ما يقارب 70% من كوادرها الطبية بسبب الهجرة أو الوفاة أو ظروف الحرب. وفي مناطق ريفية واسعة، يضطر المرضى لقطع مسافات طويلة لإجراء فحوصات أو الحصول على استشارة تخصصية، وهو ما يضاعف من معاناتهم.
هنا يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن أن تختصر هذه الفجوة. تخيّل أن يتمكن طبيب عام في ريف الحسكة من رفع صورة شعاعية عبر نظام ذكي ليحصل فوراً على قراءة دقيقة تشير إلى احتمال وجود ورم أو التهاب رئوي، ما يتيح التدخل السريع وإنقاذ حياة المريض.
كيف يعمل الذكاء الاصطناعي في التشخيص؟
يعتمد الذكاء الاصطناعي الطبي على خوارزميات التعلم العميق (Deep Learning) التي تُدرَّب على ملايين الصور والفحوصات الطبية. ومع الوقت، تكتسب هذه الخوارزميات القدرة على تمييز الأنماط المرضية بدقة عالية.
أبرز التطبيقات اليوم:
تحليل الصور الشعاعية والطبقية للكشف عن الأورام والكسور الدقيقة.
قراءة الصور الصدرية لاكتشاف السل أو الالتهاب الرئوي.
تحليل مخططات القلب لرصد اضطرابات النظم القلبية.
المساعدة في تشخيص الأمراض الجلدية عبر الصور الفوتوغرافية.
متابعة أمراض العيون مثل اعتلال الشبكية السكري.
آراء خبراء
الدكتور أحمد دياب، اختصاصي أشعة مقيم في دمشق، يقول:
“الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور الطبيب، لكنه سيكون مساعداً أساسياً له، خاصة في قراءة الفحوصات الروتينية وتخفيف الضغط عن المراكز الطبية.”
أما المهندسة سمر الطويل، المتخصصة في هندسة البرمجيات الطبية، فتوضح:
“بعض البرامج العالمية متاحة بنسخ مفتوحة المصدر، ويمكن تكييفها للاستخدام محلياً، لكن الأمر يحتاج إلى دعم حكومي وبنية تحتية رقمية آمنة.”
التجارب العالمية
في الهند، اعتمدت مراكز طبية على الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن السل عبر صور الأشعة، ما ساعد في تشخيص آلاف الحالات في مناطق فقيرة تفتقر للأطباء.
في الصين، استخدمت المستشفيات خوارزميات ذكية خلال جائحة كورونا لتحليل صور الطبقي المحوري بسرعة، ما سرّع عملية التشخيص والفرز.
في أفريقيا، جرى استخدام تطبيقات على الهواتف الذكية لمساعدة الممرضين في التعرف على أمراض العيون بين الأطفال.
تحديات في سوريا
رغم الأمل الكبير، تواجه هذه التقنيات عقبات حقيقية في سوريا:
ضعف البنية التحتية الرقمية: انقطاع الكهرباء والإنترنت المتكرر يجعل استخدام منصات الذكاء الاصطناعي صعباً.
غياب التجهيزات الحديثة: معظم أجهزة التصوير الطبي قديمة، ما يصعّب دمجها مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.
الكلفة المرتفعة: تراخيص بعض البرمجيات تحتاج ملايين الدولارات.
الكوادر البشرية: الحاجة إلى تدريب الأطباء والفنيين على استخدام هذه الأنظمة.
المخاوف الأخلاقية: من يتحمل المسؤولية في حال أخطأ النظام في التشخيص؟
المرضى.. بين الأمل والحذر
السيدة نور اليوسف، مريضة سرطان من حمص، تقول:
“أحياناً أنتظر أسابيع حتى أجد موعداً للتصوير أو مراجعة طبيب مختص. لو كان هناك نظام ذكي يسرّع التشخيص لكنت بدأت العلاج أبكر.”
بينما يعبّر أبو محمود، وهو مريض سكري من درعا، عن حذره:
“أخشى أن يعتمدوا على الكمبيوتر أكثر من الطبيب. أريد طبيباً ينظر في عيني ويشرح لي حالتي.”
الطريق إلى المستقبل
رغم التحديات، يرى الخبراء أن إدخال الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي في سوريا ليس مستحيلاً. يمكن البدء بتجارب صغيرة في الجامعات والمستشفيات الجامعية، أو التعاون مع منظمات دولية لتجريب منصات مفتوحة المصدر.
كما يقول أحد الباحثين: “لن يعوض الذكاء الاصطناعي غياب الأطباء، لكنه قد يقلل من معاناة المرضى ويمنح الأطباء ما يشبه العين الثالثة.”
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول الذكاء الاصطناعي في سوريا إلى أداة إنقاذ حقيقية، أم أنه سيظل مجرد عنوان صحفي يثير الفضول أكثر مما يحقق التغيير؟