الرقة/ غادة علي
باتت اللامركزية ضرورة ملحّة لإعادة بناء سوريا وضمان توزيع عادل للسلطة والموارد بين مختلف المناطق والمكونات، في ظل التحولات العميقة التي تشهدها الساحة السورية بعد سقوط نظام البعث، ولم تعد خياراً مطروحاً على طاولة النقاش في سوريا فحسب.
ويبرز النقاش حول النظام اللامركزي اليوم كأحد أهم المسارات المقترحة لإعادة تشكيل بنية الدولة السورية، خاصة في ظل تزايد المطالب الشعبية والسياسية بالانتقال نحو نموذج حكم يرسّخ المشاركة المحلية، ويحد من المركزية المفرطة التي كرّست لعقود حالة واسعة من التهميش والإقصاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ويفرض هذا الواقع الحاجة إلى حوار معمّق مع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين لبحث إمكانات تطبيق اللامركزية، وآليات دمقرطة سوريا بصورة تضمن الشراكة الحقيقية لا الشكلية.
وتؤكد شخصيات سياسية وحقوقية سورية أنّ اللامركزية لم تعد مجرّد طرح نظري، بل باتت خياراً وطنياً واستراتيجياً لإعادة بناء سوريا على أسس ديمقراطية وتعددية، خصوصاً بعد التحولات التي أعقبت سقوط نظام البعث، وما أفرزته سنوات الحرب من انقسامات مجتمعية وتصدعات في العلاقة بين الدولة والمواطن.
ويشدد سياسيون على أهمية إقرار نظام لا مركزي في سوريا، معتبرين أنه ضرورة وطنية لضمان مشاركة جميع المكونات في عملية البناء، وعدم حصر القرار السياسي والإداري بيد مركز واحد يحتكر السلطة والموارد.
وفي هذا السياق، يرى الناطق الرسمي باسم حزب سوريا المستقبل، إياد الخطيب، في تصريح لصحيفة “السوري”، أن أي نقاش جدي حول شكل الحكم الجديد في سوريا، سواء كان لا مركزياً أو اتحادياً، لا بد أن ينطلق من قراءة دقيقة للسياق الذي عاشته البلاد لعقود طويلة في ظل
حكم البعث، حيث تم تأسيس نظام مركزي سلطوي ديكتاتوري أمسك بكل مفاصل الدولة.
ويشير الخطيب إلى أن هذه العقود الطويلة أفرزت ذهنية أمنية وسلطة مطلقة همّشت القوى السياسية وأغرقت البلاد في حالة من التصحر السياسي، وحرمت المجتمع من الفاعلية في الحياة العامة.
ويضيف، أن هذا الواقع ألغى الدور الحقيقي للأحزاب السياسية، وأضعف مشاركة المجتمع في الشأن السياسي، إلى حدّ باتت فيه الدولة “ذائبة في يد قلة قليلة” هيمنت على مفاصل القرار ضمن نظام مركزي مغلق، وأن هذا الإرث ترك تأثيرات عميقة على ذهنية المواطن السوري وطريقة تعاطيه مع مفهوم الدولة والسياسة.
وغابت عن المجتمع مفاهيم أساسية مرتبطة بالسياسة والحكم، من بينها اللامركزية والفيدرالية، اللتان يُنظر إليهما عند كثيرين خطأً كأشكال من التقسيم، رغم أنهما مطبقتان في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وروسيا وغيرها، وفق ما يذكره الخطيب.
ويشير الخطيب إلى أن تشويه هذه المفاهيم لم يكن أمراً عرضياً، بل كان نتيجة مباشرة لحقبة حكم البعث التي تموضعت كـ”حاكم مطلق” للدولة والمجتمع، واحتكرت السياسة والقرار، واليوم مع سقوط النظام وبدء مرحلة انتقالية جديدة، تحتاج البلاد تحتاج إلى “ضخ سياسي واسع” يعيد للحياة السياسية معناها، خاصة في ظل طرح اللامركزية من قبل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب مطالب متزايدة من مكونات عدة بالانتقال إلى حكم لا مركزي يمكّن المناطق من إدارة مواردها ومقدراتها والمشاركة الفعلية في إدارة شؤونها.
ويؤكد، أن السنوات الأربع عشرة الماضية، بما شهدته من تشظٍ وانقسامات واختلالات داخلية وتراجع في التماسك المجتمعي، تفرض إعادة لملمة الجراح عبر تبني شكل حكم جديد يتجاوز النموذج المركزي الذي حكم سوريا لعقود، وأن المواطن السوري بات يحمل ذهنية ناقمة على مفهوم الدولة والسلطة، نتيجة ما عاناه من قبضة أمنية عطّلت حقوقه السياسية والمدنية، ما يجعل إعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم مشروطة بتغيير جوهري في شكل النظام.
ويرى الخطيب أن اللامركزية يمكن أن تفتح آفاقاً لممارسة سياسية جديدة وحقيقية، وتضمن مشاركة جميع المكونات والفئات الاجتماعية في رسم السياسات العامة وإدارة مقدرات الدولة، بعيداً عن إعادة إنتاج النظام المركزي السابق بأشخاص أو أسماء مختلفة، وأن جوهر المشكلة في سوريا لم يكن في الأشخاص الذين تعاقبوا على الرئاسة، بل في طبيعة النظام المتسلط الذي حكم البلاد لعقود، وحافظ على مركزية مفرطة في القرار والثروة.
ويشير الناطق باسم حزب سوريا المستقبل إلى أن العقبة الأساسية أمام تطبيق اللامركزية اليوم تتمثل في غياب بيئة سياسية سليمة، إذ لا يوجد حتى الآن قانون للأحزاب أو إطار منظم للعمل السياسي، رغم مرور سنة على سقوط النظام، ويعتبر أن إصدار قوانين واضحة تنظم العمل السياسي وتكفل مشاركة جميع الأحزاب، من شأنه أن يساعد في رفع مستوى الوعي المجتمعي وتنظيم المفاهيم السياسية، بما يمهّد للانتقال من نموذج العمل السياسي البعثي القديم إلى نموذج جديد يضمن تعددية حقيقية ومشاركة واسعة.
وفي هذا الإطار، يؤكد الخطيب ضرورة تضمين الدستور مواد واضحة تكفل حقوق جميع المكونات، بما في ذلك الحقوق الثقافية واللغوية والمجتمعية، منتقداً الإعلان الدستوري الحالي الذي يرى أنه يفتقر إلى الموضوعية وإلى قراءة متوازنة للواقع السوري المتنوع والمعقد، ويشدّد على أن إدراج اللامركزية في الدستور من شأنه أن يسهم في تمكين المناطق والمكونات من إدارة شؤونها، ويساعد في تعزيز الاستقرار بعد سنوات طويلة من الانقسام والصراع.
كما يلفت الخطيب إلى أن البلاد تحتاج اليوم إلى قانون واضح للأحزاب، وإلى ضمان مشاركة سياسية حقيقية، وحماية الحرية السياسية والإعلامية، محذّراً من الأصوات التي تعيد إنتاج خطاب النظام السابق عبر تخوين كل من يخالف سياسات الحكومة الانتقالية. ويعتبر أن بناء سوريا جديدة يتطلب مشاركة جميع المكونات والقوى السياسية في رسم خريطة سياسية جديدة تعيد البلاد إلى موقعها الجيوسياسي الطبيعي ودورها الإقليمي، بدلاً من حصر القرار في دائرة ضيقة.
ويشير إلى أن غياب القوانين والشفافية، وعدم التزام الحكومة الانتقالية بتطبيق الاتفاقيات، وفي مقدمتها اتفاق العاشر من الشهر، إلى جانب غياب تعديلات دستورية جوهرية تكفل حقوق المكونات والمناطق، يشكل عقبات كبيرة أمام أي مسار مستقر، ويرى أن العدالة الانتقالية باتت ضرورة ملحّة، محذراً من أن تجاهلها، كما حدث في السابق، يترك آثاراً سلبية عميقة، ظهرت ملامحها في الأحداث التي شهدتها مناطق كالسويداء والساحل وحمص وغيرها.
ويختتم إياد الخطيب حديثه بالتأكيد على أن ضمان المشاركة السياسية والحرية الحقيقية للأحزاب والمكونات، إلى جانب حماية الإعلام وإتاحة العمل السياسي للجميع، يشكّل ركائز أساسية لإعادة بناء سوريا على أسس ديمقراطية، ويرى أن الانتقال نحو مرحلة أكثر استقراراً وعدلاً يمرّ حتماً عبر تبني اللامركزية كخيار وطني جامع، يؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على الحرية والمواطنة والعدالة والمشاركة، ويمنح السوريين فرصة حقيقية لصياغة مستقبلهم بأيديهم.