الرقة
ناقشت نساء في مدينة الرقة شمالي سوريا إرث طقس “الساتي” الهندي القديم وما يحمله من دلالات حول استمرارية أنماط القهر الموجّه ضد النساء عبر العصور، معتبرات أن هذه الممارسة، رغم انقراضها جسدياً، ما تزال قائمة اليوم بأشكال اجتماعية ونفسية متعددة في المجتمعات الشرقية، بما فيها سوريا.
واستعاد النقاش الذي جاء ضمن ندوة جذور هذا الطقس الذي يقوم على إحراق الأرملة حيّة مع جثمان زوجها، حيث شكّل لقرون أحد أكثر الممارسات إثارة للجدل في تاريخ الهند، معتمداً على تفسير ديني وطبقي حوّل المرأة إلى تابع لا هوية له خارج إطار الزوج.
ونظّمت الندوة من قبل أكاديمية جنولوجيا بالتعاون مع مجلس المرأة في مؤتمر الإسلام الديمقراطي ومجلس تجمع نساء زنوبيا، وحملت عنوان “ضد ثقافة الساتي؛ المرأة، الحياة، الحرية”، وأقيمت في مبنى تجمع نساء زنوبيا بمدينة الرقة، وبمشاركة واسعة من منظمات المرأة ومؤسسات المجتمع المدني والتنظيمات السياسية.
وأشارت النساء اللواتي شاركن في الندوة إلى أن “الساتي”، الذي ارتبط في الموروث الهندوسي بالإخلاص والتضحية، لم يكن في جوهره سوى آلية لإحكام السيطرة على النساء، بدءاً من تجريدهن من هويتهن الفردية وصولاً إلى اعتبار أجسادهن وقراراتهن جزءاً من ممتلكات الرجل.
وقسم برنامج عمل الندوة على أربع جلسات، حيث ناقشت الجلسة الأولى الطبقات الأربع لأيديولوجية تحرير المرأة، إذ قدّمت عضوة أكاديمية جنولوجيا سهام داوود مداخلة تناولت فيها التحليل الذي يقدمه المفكر عبد الله أوجلان للثقافات الأربع، ثقافة الآلهة، ثقافة نساء القصر، ثقافة الساتي، وثقافة المرأة الحرة.
وأكدت سهام داوود أن دراسة هذه الطبقات تتيح فهم تاريخ المرأة وتطور موقعها الاجتماعي، مشيرة إلى أن المجتمعات الأولى تشكّلت حول النساء، قبل أن تتعرض إنجازاتهن للهيمنة الذكورية التي عبّر عنها نموذج “القصر الأبيض”.
كما شرحت كيف تحولت أدوار النساء من المعابد إلى القصور، وصولاً إلى ثقافة “الساتي” التي تربط وجود المرأة بوجود الرجل، مقابل نموذج المرأة الحرة القائمة على الوعي والتنظيم والدفاع عن الذات.
وقدّمت الجلسة الثانية من قبل عضوة أكاديمية جنولوجيا لمعان شيخو، والتي عرضت بشكل مفصل مفهوم “الساتي”، مشيرة إلى أن جذورها تعود إلى القرن الرابع في الهند، حيث كانت تُحرق المرأة مع زوجها المتوفى.
ورغم حظر الممارسة في القرن التاسع عشر، أشارت لمعان شيخو إلى أن آثارها لا تزال حاضرة في البنى الاجتماعية، عبر مفاهيم الشرف والولاء والوصم الذي يطال الأرامل، وترسيخ النظرة للمرأة ككائن فاقد لقيمته خارج إطار الرجل.
أما الجلسة الثالثة فتناولت فيها كندة كنعان من مجلس المرأة في مؤتمر الإسلام الديمقراطي استمرار ثقافة “الساتي” في الشرق الأوسط وشمال وشرق سوريا، موضحة أنها لم تنتقل بشكلها التقليدي، بل من خلال منظومات الشرف، وتقييد النساء داخل أدوار ثابتة رغم مشاركتهن الواسعة في السياسة والقوات العسكرية والجنولوجيا.
ورأت كندة كنعان أن أوجه الشبه بين إرث “الساتي” وأشكال القهر الراهن ليست مصادفة، فالنظام الأبوي الذي رسّخ فكرة “التضحية” بالمرأة ما يزال حاضراً في صور مختلفة أبرزها، قيود اجتماعية صارمة على الأرامل، الأعراف التي تدفع المرأة إلى الانكفاء عن الحياة العامة بعد فقدان الزوج، النظرة التي تربط قيمتها بوجود رجل في حياتها، إضافة إلى أنماط من الوصاية والتحكم تجعل خياراتها محدودة ومقيدة.
وناقشت الجلسة الرابعة الحلول الممكنة للخلاص من ثقافة “الساتي”، والطريق نحو ثقافة المرأة الحرة، حيث استعرضت الناطقة باسم أكاديمية جنولوجيا زهريبان حسين الحلول المقترحة لمواجهة ثقافة الساتي، مؤكدة أن بناء ثقافة المرأة الحرة يتطلب حماية ذاتية وتنظيمًا ذاتيًا ومعرفة بالذات.
وقالت زهريبان حسين إن أيديولوجية تحرير المرأة طرحها المفكر عبد الله أوجلان قبل 27 عاماً، ولكن الحاجة لإعادة مناقشتها مستمرة، لأن النساء تعرضن للتراجع في مراحل عديدة نتيجة غياب الأيديولوجيا والوعي، وركّزت على دور وحدات حماية المرأة وقوات الحماية المجتمعية – المرأة كنماذج للمقاومة والتنظيم.
وفتحت الندوة الباب للأسئلة والنقاش من قبل الحضور، شاركت فيها الحاضرات والحاضرون بنقاشات موسعة حول سبل تعزيز دور المرأة وبناء وعي مقاوم للثقافات التي تعيد إنتاج العنف البنيوي.
ورأت النساء المشاركات بالندوة أن هذه القوالب، وإن بدت متصالحة مع الحياة الحديثة، إلا أنها تؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج التبعية بأشكال غير محسوسة.
وأوضحت النساء أن قراءة هذا الإرث بعيون محلية يساعد على فهم البنى التي تعيد إنتاج العنف ضد النساء في سوريا، خصوصاً في ظل الانهيارات الاجتماعية المتعاقبة التي جعلت المرأة الضحية الأولى للحروب والصراعات والنزاعات الأهلية.
وشددت المشاركات على أن مواجهة هذه الذهنية تبدأ من الوعي وبناء استقلالية المرأة، وهي الأفكار التي تستند إليها مقاربات “الجنولوجيا” التي تتعامل مع تحرر المرأة بوصفه شرطاً لبناء مجتمع ديمقراطي ومتوازن.
ولفتت النساء في الرقة إلى أن النضال من أجل الحرية الجندرية لا يقتصر على تغيير القوانين، بل يتطلب تفكيك التصورات المتوارثة التي تحوّل المرأة إلى “قيمة تابعة”، معتبرات أن مجتمعات المنطقة ما تزال بحاجة إلى مراجعة شاملة للرموز والمفاهيم التي كرست هذا القهر تاريخياً.
وخلص النقاش إلى أن إرث “الساتي”، رغم بعده الجغرافي والثقافي، يقدم مثالاً واضحاً على كيفية تحول الدين والأساطير والتقاليد إلى أدوات للاستعباد، وكيف يمكن للنضال الحقوقي والاجتماعي أن ينتزع هذا الإرث من جذوره عندما يمتلك المجتمع الشجاعة لمواجهته.