السوري ـ إدلب
في كل أسبوع تقريباً، تتصدر الأخبار الاقتصادية في سوريا عناوين تتحدث عن مشروع صناعي جديد في إدلب، أو توسعة في مدينة صناعية قرب معبر باب الهوى، أو توقيع تفاهمات لدعم الاستثمار في المنطقة. وفي المقابل، تغيب الأخبار ذاتها عن معظم المحافظات السورية، ولا سيما مناطق شمال وشرق سوريا، إضافة إلى محافظات أخرى أنهكتها الحرب، ولم تشهد حتى الآن مشاريع تنموية تعكس حجم احتياجاتها الاقتصادية.
هذا التفاوت في الخطاب الاقتصادي يثير تساؤلات متزايدة حول أولويات الحكومة في توزيع الاستثمارات، وما إذا كانت عملية إعادة الإعمار والتنمية تسير وفق رؤية وطنية متوازنة، أم أنها تتركز في مناطق محددة على حساب بقية الجغرافيا السورية.
فخلال الأشهر الماضية، تكررت الإعلانات الرسمية عن دعم المدن الصناعية في إدلب، وإنشاء بنى تحتية جديدة، وتشجيع المستثمرين، وإبرام تفاهمات اقتصادية، بينما بقيت محافظات أخرى خارج المشهد الإعلامي والاستثماري، رغم أنها تعاني معدلات بطالة مرتفعة، وتدهوراً كبيراً في الخدمات، ونقصاً حاداً في فرص العمل.
ولا يقتصر الأمر على غياب المشاريع، بل يمتد إلى غياب رؤية معلنة توضح أسس توزيع الاستثمارات بين المحافظات، أو المعايير التي تعتمدها الجهات الرسمية في تحديد أولويات التنمية. فالمواطن في الحسكة أو الرقة أو دير الزور أو السويداء أو درعا أو حتى أجزاء واسعة من حلب وحمص، لا يرى سوى أخبار متكررة عن مشاريع في إدلب، دون أن يلمس انعكاساً مماثلاً على مناطقه.
ويرى اقتصاديون أن التنمية المتوازنة تمثل أحد أهم شروط الاستقرار السياسي والاجتماعي، لأن تركيز الاستثمارات في منطقة واحدة يهدد بتعميق الفجوات الاقتصادية بين المحافظات، ويزيد من معدلات الهجرة الداخلية، ويكرس شعوراً متنامياً بالتهميش لدى السكان في المناطق الأقل حظاً.
ويؤكد خبراء أن إعادة بناء الاقتصاد السوري لا يمكن أن تقوم على إنشاء مراكز نمو معزولة، بل تحتاج إلى خطة وطنية تشمل جميع المحافظات، وفق معايير تعتمد حجم الأضرار، والكثافة السكانية، ونسب البطالة، والاحتياجات التنموية، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الإدارية.
وفي مناطق شمال وشرق سوريا، حيث يعيش ملايين السوريين، لا تزال المشاريع الاستثمارية الكبرى شبه غائبة عن الخطاب الرسمي، رغم امتلاك المنطقة موارد زراعية ونفطية ومائية تجعلها من أكثر المناطق قدرة على استقطاب الاستثمارات إذا توفرت بيئة قانونية وسياسية مناسبة.
ويقول متابعون إن ما يعلن حتى الآن لا يتجاوز في كثير من الأحيان مذكرات تفاهم أو وعوداً بمشاريع مستقبلية، دون نشر بيانات واضحة حول حجم الاستثمارات المنفذة فعلياً، أو عدد فرص العمل التي تم توفيرها، أو نسب الإنجاز على الأرض، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الفارق بين الإعلان والتنفيذ.
كما يطالب مختصون بمزيد من الشفافية في عرض الخطط الاقتصادية، عبر نشر خرائط استثمارية توضح توزيع المشاريع بين المحافظات، وقيمتها المالية، والجهات المنفذة، والجداول الزمنية، بما يسمح للرأي العام بتقييم عدالة توزيع الموارد ومحاسبة الجهات المعنية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار التركيز الإعلامي والاستثماري على منطقة بعينها، مع غياب مشاريع واضحة في بقية المحافظات، قد يعمق الشعور بعدم المساواة، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى سياسات اقتصادية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتعزز مفهوم المواطنة المتساوية في فرص التنمية.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من السوريين اليوم: هل تمتلك الحكومة خطة اقتصادية وطنية تشمل جميع المحافظات دون استثناء، أم أن التنمية ستبقى محصورة في جغرافيا محددة، بينما تنتظر بقية المناطق مشاريع لم تغادر حتى الآن دائرة الوعود؟
إن نجاح أي سياسة اقتصادية لا يقاس بعدد الاتفاقيات التي تعلن أو المؤتمرات التي تعقد، بل بقدرتها على تحقيق تنمية عادلة يشعر بها المواطن في كل محافظة سورية، لأن الاستثمار الحقيقي ليس في منطقة واحدة، وإنما في وطن بأكمله.