لكل السوريين

البرلمان السوري الجديد.. شرعية المرحلة الانتقالية تصطدم بسؤال التمثيل

السوري ـ دمشق

بينما يبدأ مجلس الشعب السوري الجديد أولى جلساته في مرحلة توصف بأنها الأكثر حساسية منذ سقوط نظام بشار الأسد، لا يقتصر الجدل على الملفات الأمنية والدستورية التي تنتظر المؤسسة التشريعية، بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمدى تمثيل المجلس للتنوع السوري بمختلف مكوناته القومية والدينية والسياسية، فضلاً عن الحضور المحدود للمرأة.

ورغم أن السلطات السورية قدمت تشكيل المجلس باعتباره حلاً انتقالياً فرضته الظروف الأمنية وتعذر إجراء انتخابات عامة مباشرة، إلا أن آلية اختيار الأعضاء أعادت فتح النقاش حول شرعية التمثيل الشعبي في مؤسسة يفترض أن تقود المرحلة التشريعية، وتشارك في رسم ملامح الدستور الدائم للبلاد.

ويتألف المجلس من 210 أعضاء، جرى اختيارهم عبر انتخابات غير مباشرة، مع تعيين ثلث الأعضاء بقرار من رئيس الجمهورية، وهي صيغة استثنائية تقول الحكومة إنها جاءت لتجنب الفراغ الدستوري وضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة. لكن منتقدين يرون أن هذه الآلية حدّت من فرص التمثيل الحقيقي للمجتمع السوري بكل تنوعه، وأضعفت مشاركة القوى الاجتماعية والسياسية خارج الدوائر القريبة من السلطة الانتقالية.

ويثير التشكيل الحالي تساؤلات متزايدة بشأن حضور المكونات السورية المختلفة داخل البرلمان، في ظل غياب انتخابات عامة تتيح لجميع السوريين اختيار ممثليهم بصورة مباشرة. ويرى مراقبون أن أي مؤسسة تشريعية يفترض أن تعكس التعدد القومي والديني والاجتماعي الذي يميز سوريا، خاصة في مرحلة انتقالية يُفترض أن تؤسس لعقد سياسي جديد يقوم على الشراكة الوطنية، لا على التمثيل الانتقائي.

كما برزت انتقادات تتعلق بضعف تمثيل المرأة داخل المجلس. فرغم ارتفاع عدد العضوات بعد استكمال التعيينات إلى 21 امرأة، فإن هذه الزيادة لم تبدد الانتقادات الحقوقية والنسوية التي اعتبرت أن مشاركة النساء لا تزال أقل بكثير من مستوى الحضور الذي يفترض أن تتمتع به المرأة السورية في مؤسسة تصوغ مستقبل البلاد.

وتعززت هذه الانتقادات مع احتجاجات شهدتها مدينة حلب رفضاً لانخفاض تمثيل النساء، حيث اعتبرت ناشطات أن مشاركة المرأة لا ينبغي أن تبقى رهينة التعيينات أو التوازنات السياسية، بل يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من أي عملية سياسية تقوم على المساواة وتكافؤ الفرص.

ويرى باحثون أن قضية التمثيل لا تتعلق بالأرقام وحدها، وإنما بمدى قدرة البرلمان على استيعاب مختلف الأصوات والاتجاهات السياسية والاجتماعية، وإشراكها في صياغة التشريعات والدستور المقبل. فنجاح المرحلة الانتقالية لا يقاس فقط باستمرار مؤسسات الدولة، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي ثقة يصعب تحقيقها إذا شعرت شرائح واسعة بأنها غير ممثلة في مؤسسات صنع القرار.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة لأن المجلس لا يقتصر دوره على إصدار القوانين، بل سيكون معنياً بمراجعة التشريعات النافذة، وإقرار الموازنة العامة، ومراقبة أداء الحكومة، والمشاركة في تشكيل اللجنة المكلفة بإعداد مشروع دستور دائم، وهو ما يمنحه دوراً محورياً في تحديد شكل النظام السياسي السوري خلال السنوات المقبلة.

وفي المقابل، تدافع السلطات السورية عن الصيغة الحالية باعتبارها إجراءً انتقالياً فرضته الظروف الأمنية والانقسامات التي لا تزال تشهدها البلاد، مؤكدة أن الأولوية تتمثل في الحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة إلى حين تهيئة الظروف لإجراء انتخابات عامة وفق دستور جديد.

غير أن هذا التبرير لا يلغي، بحسب منتقدين، الحاجة إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية خلال المرحلة الانتقالية، وضمان تمثيل أكثر توازناً لجميع السوريين، باعتبار أن الدستور المرتقب والقوانين التي ستصدر خلال هذه الفترة ستحدد مستقبل البلاد لعقود مقبلة.

وفي ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية، تبدو المهمة الأصعب أمام البرلمان الجديد ليست فقط في سن القوانين، وإنما في إثبات أنه يمثل السوريين بمختلف انتماءاتهم، ويعبر عن تطلعاتهم إلى دولة تقوم على المواطنة والمشاركة المتساوية. فبدون تمثيل واسع وحقيقي، قد تبقى شرعية المؤسسات الجديدة موضع نقاش، مهما كانت أهمية الدور الذي تؤديه في إدارة المرحلة الانتقالية.

- Advertisement -

- Advertisement -