تواصلت لليوم السادس على التوالي فعاليات الاعتصام الشعبي في مدينة دير الزور شرقي سوريا، داخل الخيمة المنصوبة في محيط دوار السبع بحرات، وسط تصاعد المطالب الشعبية الداعية إلى تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق والميليشيات الإيرانية، والمتهمة من قبل الأهالي بالتورط في انتهاكات شهدتها المحافظة خلال سنوات النزاع.
ويشهد الاعتصام مشاركة مدنيين وناشطين وذوي ضحايا، في وقت يؤكد فيه المحتجون تمسكهم بمطالبهم المتعلقة بكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع ما يصفونه بـ”إعادة تعويم” شخصيات محسوبة على النظام السابق داخل المشهد المحلي في المحافظة.
ملصقات ورسائل تهديد تثير الجدل
وتزامن الحراك الاحتجاجي مع انتشار قصاصات ورقية وملصقات تحذيرية في عدد من أحياء مدينة دير الزور ومناطق متفرقة من المحافظة، تضمنت رسائل موجهة إلى من وُصفوا بـ”شبيحة النظام البائد”، طالبتهم بمغادرة المنطقة، متوعدة بمحاسبتهم من قبل “ثوار عام 2011”.
وأثارت هذه المنشورات حالة من الجدل والتوتر في الشارع المحلي، في ظل مخاوف من تصاعد الاحتقان الشعبي، خاصة مع استمرار الاتهامات الموجهة لبعض الشخصيات المحلية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والميليشيات الإيرانية خلال السنوات الماضية.
ويرى ناشطون أن هذه الرسائل تعكس حجم الغضب الشعبي المتراكم في المحافظة، نتيجة غياب أي خطوات فعلية لتحقيق العدالة أو محاسبة المتورطين في الانتهاكات، مؤكدين أن الأهالي يشعرون بأن ملفات الضحايا والمعتقلين ما تزال مؤجلة رغم مرور سنوات على انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية في المنطقة.
“لا استقرار دون محاسبة”
وبحسب مشاركين في الاعتصام، فإن التحرك الشعبي سيستمر حتى تحقيق استجابة واضحة للمطالب المطروحة، وعلى رأسها تطبيق القانون بحق المتورطين في الجرائم والانتهاكات، ضمن إطار قانوني يضمن العدالة الانتقالية ومنع الإفلات من العقاب.
وردد المعتصمون هتافات شددت على أن “أي مصالحة أو استقرار حقيقي لا يمكن أن يتحقق دون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات”، معتبرين أن إعادة دمج شخصيات مرتبطة بالنظام السابق في الحياة العامة تمثل “تجاوزاً لحقوق الضحايا واستخفافاً بمعاناة الأهالي”.
كما طالب المحتجون بفتح ملفات الانتهاكات التي شهدتها المحافظة منذ عام 2011، بما يشمل قضايا الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وعمليات التهجير والانتهاكات الأمنية التي طالت السكان خلال سنوات الحرب.
حضور لافت للأمهات وذوي الضحايا
وشهدت خيمة الاعتصام حضوراً لافتاً لأمهات فقدن أبناءهن خلال سنوات النزاع، حيث رفعت المشاركات صوراً لضحايا ومفقودين، ورددن شعارات تطالب بالقصاص وكشف الحقيقة وإنصاف العائلات المتضررة.
وأكدت مشاركات في الاعتصام أن استمرار ظهور شخصيات متهمة بالارتباط بالنظام السابق في المشهد السوري “يتعارض مع أهداف التغيير التي خرج السوريون من أجلها”، معتبرات أن تجاهل مطالب الضحايا يهدد بإعادة إنتاج حالة الاحتقان داخل المجتمع المحلي.
دير الزور بين الذاكرة الثقيلة والحراك المستمر
وتُعد محافظة دير الزور من أكثر المناطق السورية التي شهدت تعقيدات عسكرية وأمنية خلال سنوات الحرب، نتيجة تعاقب السيطرة عليها بين أطراف متعددة، بينها تنظيم “داعش” وقوات النظام السوري والميليشيات المدعومة من إيران، ما خلف إرثاً واسعاً من الانتهاكات والخسائر البشرية.
ويأتي الاعتصام الحالي في سياق حراك شعبي متصاعد تشهده المحافظة منذ أشهر، يرفض – وفق ناشطين – أي محاولات لإعادة تدوير شخصيات متهمة بالضلوع في الانتهاكات السابقة، ويطالب بمسار واضح للعدالة الانتقالية يضمن محاسبة المسؤولين وإنصاف الضحايا.
ويرى مراقبون أن استمرار الاعتصام واتساع التفاعل الشعبي معه يعكس عمق الأزمة الاجتماعية والسياسية التي ما تزال تعيشها المنطقة، في ظل غياب حلول شاملة لملفات العدالة والمصالحة، واستمرار حالة الانقسام وفقدان الثقة بين الأهالي والجهات المحلية القائمة على إدارة المنطقة.
ومع دخول الاعتصام يومه السادس، يؤكد المشاركون أنهم ماضون في تحركهم الاحتجاجي، معتبرين أن تحقيق العدالة وكشف الحقيقة يمثلان “الشرط الأساسي لأي استقرار مستقبلي” في دير الزور وسوريا عموماً.