مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، يجد السوريون أنفسهم أمام أزمة كهرباء متجددة تدفعهم قسرًا نحو البحث عن بدائل، أبرزها منظومات الطاقة الشمسية، رغم ارتفاع تكاليفها بشكل يفوق قدرة معظم الأسر على التحمل.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت الطاقة الشمسية في سوريا من خيارٍ رفاهي أو مشروع استثماري محدود، إلى ضرورة يومية فرضتها ساعات التقنين الطويلة وارتفاع تكاليف الكهرباء والمحروقات، في وقتٍ تعاني فيه البلاد من تراجع كبير في البنية التحتية للطاقة.
وتشهد الأسواق السورية طلبًا متزايدًا على ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات والإنفرترات، سواء من قبل أصحاب المنازل أو المنشآت الصناعية والتجارية، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من الكهرباء اللازمة للحياة اليومية واستمرار الأعمال. وتشير تقارير محلية إلى أن الطلب على منظومات الطاقة البديلة ارتفع بشكل ملحوظ خلال الأشهر الماضية، خصوصًا مع زيادة ساعات الانقطاع وارتفاع أسعار الكهرباء الرسمية.
أسعار تفوق القدرة الشرائية
ورغم الإقبال المتزايد، تبقى الأسعار العقبة الأكبر أمام السوريين، إذ تتجاوز تكلفة تركيب منظومة طاقة شمسية منزلية بسيطة ملايين الليرات السورية، بينما ترتفع الكلفة بشكل كبير كلما زادت الحاجة التشغيلية أو تحسنت جودة المعدات.
وبحسب تقارير متخصصة، فإن أسعار الإنفرترات وحدها تتراوح بين 1.2 مليون و5 ملايين ليرة سورية، إضافة إلى تكاليف البطاريات والألواح والتجهيزات الكهربائية الأخرى، في ظل تقلبات سعر الصرف وارتفاع أسعار المواد المستوردة.
ويؤكد عاملون في السوق أن معظم المكونات تعتمد على الاستيراد، ما يجعل الأسعار مرتبطة مباشرة بالدولار وتكاليف الشحن والنقل، فضلًا عن ارتفاع الطلب المحلي مقابل محدودية العرض.
الكهرباء لم تعد خدمة.. بل عبئًا اقتصاديًا
في المقابل، يعيش السوريون صدمة متزايدة نتيجة ارتفاع فواتير الكهرباء بالتسعيرة الجديدة، الأمر الذي دفع العديد من العائلات إلى التفكير بالطاقة الشمسية كخيار أقل تكلفة على المدى الطويل، رغم الكلفة الأولية المرتفعة.
وتحدثت تقارير إعلامية عن وصول بعض الفواتير إلى أرقام “باهظة” مقارنة بمتوسط الدخل الشهري، ما زاد من الضغوط المعيشية على المواطنين.
ويرى مراقبون أن التحول نحو الطاقة البديلة لم يعد خيارًا بيئيًا أو تكنولوجيًا فقط، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لأزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، دفعت السوريين للاعتماد على حلول فردية بدل انتظار تحسن الشبكة الكهربائية العامة.
الصناعيون والتجار في الواجهة
ولا يقتصر الاعتماد على الطاقة الشمسية على المنازل، إذ تتجه المصانع والورشات التجارية بشكل متزايد نحو تركيب منظومات كبيرة لتخفيف تكاليف التشغيل وضمان استمرارية العمل، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة تشغيل المولدات التقليدية.
وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع واردات سوريا من الألواح الشمسية الصينية خلال الأشهر الماضية، في مؤشر واضح على توسع السوق المحلي للطاقة البديلة.
ويؤكد مختصون أن الطاقة الشمسية أصبحت اليوم “البديل الأقل خسارة” بالنسبة للكثير من القطاعات، رغم الحاجة إلى رأسمال كبير للتركيب الأولي.
سوق مزدهر.. لكن بلا تنظيم كافٍ
ورغم النمو السريع في القطاع، يواجه سوق الطاقة الشمسية في سوريا تحديات عديدة، أبرزها غياب الرقابة على الجودة، وانتشار المعدات منخفضة الكفاءة، إضافة إلى تفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى.
كما يحذر خبراء من أن الاعتماد المتزايد على الحلول الفردية قد يعمّق الفجوة الاجتماعية بين القادرين على تحمل تكاليف الطاقة البديلة وغير القادرين، خصوصًا مع استمرار تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم.
ومع استمرار أزمة الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف، تبدو الطاقة الشمسية بالنسبة لكثير من السوريين طوق نجاة مكلفًا، يجمع بين الضرورة الاقتصادية والعبء المعيشي، في مشهد يعكس حجم التحولات التي فرضتها سنوات الأزمة على تفاصيل الحياة اليومية في البلاد.