لكل السوريين

حماة.. تراكم النفايات وفرص الاستفادة البيئية منها

حماة/ جمانة الخالد

تتجول أم محمد في حيها القديم بمدينة حماة، تحمل بيدها سلة صغيرة، وتلاحظ تراكم أكوام النفايات في الزوايا والأرصفة. تقول بأسى: “أحياناً يبدو أن الشارع أصبح مكباً للقمامة أكثر منه طريقاً للمارة”، هذه المشاهد ليست مجرد إزعاج بصري، بل تمثل مشكلة بيئية وصحية تؤرق سكان المدينة منذ سنوات، تراكم النفايات في حماة أصبح ظاهرة يومية، ويمثل تحدياً كبيراً للبلدية وسكان المدينة على حد سواء.

تعود أزمة النفايات في حماة إلى عدة أسباب متداخلة، أبرزها البنية التحتية القديمة والمحدودة. تقول سلمى، موظفة في إدارة النظافة: “الأسطول القديم من الشاحنات لا يغطي كل الأحياء، خاصة الضيقة والعشوائية، والمعدات المتهالكة تتعطل بسرعة، ما يزيد من تراكم القمامة”.

بعض محطات الترحيل تقع على مسافات بعيدة عن الأحياء السكنية، ما يؤدي إلى تأخر عملية جمع النفايات، خصوصاً في الأحياء الشعبية مثل المحطة والبساتين. بالإضافة إلى ذلك، يلاحظ مسؤولو البلدية أن بعض السكان يخرجون نفاياتهم في أوقات غير منظمة، أو يتركونها قرب الجدران والزوايا، مما يضاعف صعوبة العمل على تنظيف الشوارع. يقول مدير النظافة، فراس، إن “غياب التوعية البيئية يجعل من تراكم النفايات مشكلة يومية، تحتاج إلى جهود مزدوجة من البلدية والمواطنين”.

تراكم النفايات في حماة له أبعاد صحية واقتصادية واضحة. الروائح الكريهة تنتشر في الصيف، والحشرات مثل الذباب والصراصير تتكاثر بسرعة، ما يزيد من مخاطر الأمراض الجلدية والهضمية. في الأحياء الشعبية، تصبح بعض الزوايا شبه مكبات مؤقتة، يستخدمها الأهالي اضطراراً للتخلص من الفضلات. كما يؤثر تراكم القمامة على جمالية المدينة، ويقلل من جاذبيتها السياحية، خاصة في المناطق المحاذية لنهر العاصي ومواقعها التاريخية.

رغم هذه التحديات، تبذل بلدية حماة جهوداً متواصلة لمعالجة المشكلة. تتضمن هذه الجهود حملات تنظيف مكثفة في الأحياء الأكثر تضرراً، وصيانة الشاحنات القديمة، واستئجار معدات إضافية لتسريع جمع النفايات. كما تم تنظيم حملات توعية لسكان المدينة حول أهمية الالتزام بالمواعيد المخصصة لإخراج النفايات، ووضعها في الحاويات المخصصة بدلاً من الشوارع. إلا أن المسؤولين يعترفون بأن هذه الإجراءات تظل جزئية، وأن الحلول طويلة الأمد تتطلب تحديث البنية التحتية وتطوير نظام متكامل لإدارة النفايات.

أحد أبرز الأفكار المطروحة في حماة هي الاستفادة من النفايات بدلاً من اعتبارها مجرد مشكلة، يمكن للنفايات العضوية أن تتحول إلى سماد عضوي مفيد للزراعة، بينما يمكن للنفايات البلاستيكية والمعادن إعادة تدويرها لإنتاج منتجات جديدة. تشير الدراسات البيئية إلى أن الاستثمار في مشاريع إعادة التدوير يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة، ويقلل من الأثر البيئي لتراكم النفايات، ويحوّل المدينة إلى نموذج بيئي مستدام. يقول المهندس البيئي خالد، منسق مشروع إعادة التدوير: “لدينا كمية هائلة من النفايات العضوية يمكن تحويلها إلى سماد عضوي، وهذا سيساعد المزارعين المحليين في تحسين جودة التربة، ويقلل من الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية”.

كما يقترح فريق العمل في البلدية تخصيص مناطق فرز للنفايات، بحيث يتم فصل المواد القابلة لإعادة التدوير عن النفايات العادية، وتسويقها للشركات المختصة، مما يدر دخلاً إضافياً على المدينة.

لا يمكن فصل الحل عن دور المواطن، فالتعاون بين السكان والبلدية أساس نجاح أي استراتيجية. يرى البعض أن تحديد أوقات محددة لإخراج النفايات، وتوفير حاويات مناسبة، يمكن أن يقلل بشكل كبير من تراكم النفايات في الشوارع. كما أن حملات التوعية، سواء عبر المدارس أو وسائل الإعلام المحلية، تلعب دوراً مهماً في نشر ثقافة إعادة التدوير والالتزام بالنظافة العامة.

ولتحقيق حل جذري، تحتاج حماة إلى رؤية متكاملة تشمل تحديث أسطول جمع النفايات، وزيادة عدد الحاويات، وإنشاء محطات فرز وتحويل للنفايات، مع تعزيز التوعية المجتمعية. هذا التوجه لا يحافظ على صحة المواطنين فحسب، بل يسهم في تحسين البيئة، ويدعم الاقتصاد المحلي من خلال مشاريع إعادة التدوير وتحويل النفايات إلى طاقة وسماد عضوي. تظل حماة، المدينة التي يزينها نهر العاصي وأشجارها الباسقة، مثالاً حياً على كيفية تحويل أزمة بيئية إلى فرصة للتجديد والتنمية المستدامة. وبالتعاون بين السلطات والمواطنين، يمكن أن تتحول النفايات من عبء ثقيل إلى مصدر للحياة، لتبقى المدينة نظيفة، صحية، وقادرة على استعادة جمالها التاريخي والطبيعي.

- Advertisement -

- Advertisement -