تقرير/ بسام الحمد
في مدينة تدمر التاريخية وريفها، تحول الجوع من كابوس ليلي إلى واقع يومي يعيشه الأهالي بين أنقاض المدينة الأثرية التي كانت يوماً مقصداً للسياح من حول العالم. فبعد سنوات من الحرب والدمار، يجد أبناء تدمر أنفسهم أمام معركة جديدة، معركة البقاء على قيد الحياة في ظل انهيار اقتصادي خانق.
تقول أم أحمد، وهي أم لخمسة أطفال من قرية قرب تدمر: “كنا نعتقد أن الأسوأ قد انتهى بانتهاء المعارك، لكن الجوع أقسى من الرصاص”. تروي كيف اضطرت عائلتها لأكل الخبز الجاف مع الشاي لعدة أيام متتالية، بعد أن نفذت آخر حبات القمح التي كانت تخزنها. “زوجي يعمل في جمع الحطب، لكن ما يجنيه بالكاد يكفي لشراء الدقيق، أما اللحوم والخضار فقد أصبحت من الكماليات”.
قصة أم أحمد ليست الوحيدة، ففي عيادة طبية متنقلة بمنطقة تدمر، يسجل الأطباء العشرات من حالات سوء التغذية بين الأطفال كل أسبوع. الدكتور خالد، الذي فضل عدم ذكر اسمه الكامل، يقول: “نشهد حالات ضعف عام ونقص في الفيتامينات لم نكن نراها بهذا الانتشار من قبل. المشكلة أن العديد من العائلات تعتمد على وجبة واحدة يومياً”.
أما أبو محمد، مزارع في الخمسينيات من عمره، فيروي كيف تحولت أرضه الخصبة إلى أرض جرداء: “كانت أرضي تنتج القمح والشعير، لكن نقص الوقود والمبيدات وارتفاع أسعارها جعل الزراعة مستحيلة. الآن أعتمد على المساعدات التي تصلنا بين الحين والآخر”.
في وسط المدينة، تحاول بعض العائلات إيجاد حلول إبداعية لمواجهة الجوع. تقول سمر، وهي شابة في العشرينات: “نظمنا مع جيراننا نظاماً لتقاسم الطعام، حيث تطبخ كل عائلة وجبة تكفي لعدة عائلات في اليوم الواحد”. تضيف: “بهذه الطريقة نوفر على أنفسنا تكاليف الوقود، ونتأكد من أن كل الأطفال يحصلون على طعام ساخن يومياً”.
لكن هذه المبادرات الفردية تبقى غير كافية في مواجهة الأزمة الكبيرة. فوفقاً لتقارير محلية، فإن أكثر من 70% من سكان تدمر وريفها يعتمدون على المساعدات الغذائية التي تصل بشكل غير منتظم. محمد، أحد العاملين في منظمة إغاثية محلية، يشرح: “المشكلة أن المساعدات لا تكفي الجميع، وغالباً ما تصل إلى نفس العائلات بينما يتم إهمال أخرى”.
في المدارس، تحاول بعض المنظمات تقديم وجبات غذائية للتلاميذ، لكن مديرة إحدى المدارس تقول: “الوجبات التي نقدمها بسيطة جداً، وغالباً ما تكون عبارة عن سندويش جبن أو زعتر. لكن حتى هذا يساعد في إبقاء الأطفال في المدارس بدلاً من تسولهم في الشوارع”.
أما في المستشفى الوحيد في المنطقة، فيواجه الأطباء معضلة أخرى. تقول إحدى الممرضات: “كثير من المرضى يأتون إلينا وهم يعانون من أمراض ناتجة عن سوء التغذية، لكننا لا نستطيع تقديم سوى العلاج الأساسي. الأدوية الخاصة بفقر الدم ونقص الفيتامينات شحيحة جداً”.
في الأرياف المحيطة بتدمر، تزداد الصورة قتامة. أبو علي، من سكان إحدى القرى النائية، يروي كيف اضطر لبيع آخر بقرة كان يملكها لشراء الدواء لزوجته المريضة: “الآن لم يعد لدينا حتى الحليب لأطفالي. أعمل أحياناً في تنظيف الآبار مقابل أجر زهيد، لكن العمل قليل هذه الأيام”.
أمام هذا الوضع المأساوي، تحاول بعض المنظمات المحلية تنفيذ مشاريع تنموية صغيرة. أحد هذه المشاريع هو توزيع قطعان صغيرة من الماعز على العائلات الأكثر احتياجاً. يشرح منسق المشروع: “الماعز تتكيف مع المناخ الجاف، وتوفر الحليب واللحوم، ويمكن أن تكون مصدر دخل من خلال بيع صغارها”.
لكن التحديات تبقى كبيرة، كما يوضح أحد الخبراء الاقتصاديين: “تدمر تحتاج لخطة تنموية شاملة تعيد إحياء الزراعة وتستثمر في السياحة الأثرية، لكن هذا يحتاج لأموال وأمن واستقرار، وكلها غير متوفرة حالياً”.
في ظل هذا الواقع، يبقى الأهالي بين خيارين صعبين: إما البقاء والصمود في أرضهم رغم الجوع، أو المغامرة بالهجرة إلى أماكن قد لا تكون أفضل حالاً. تقول جدة في السبعينيات من عمرها: “عشت هنا طوال حياتي، ورأيت تدمر في أيامها الذهبية وفي أحلك أيامها. لن أتركها الآن، حتى لو اضطررت لأكل التراب”.