لم يكن إقليم كردستان العراق طرفاً مباشراً في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، لكنه وجد نفسه في قلب تداعياتها الأمنية والسياسية، مع تحوّل أراضيه إلى واحدة من أكثر الساحات تأثراً بالصراع الإقليمي المتصاعد.
فالحرب التي تجاوزت حدود إيران امتدت ارتداداتها إلى العراق، حيث برز إقليم كردستان بوصفه نقطة ارتكاز أساسية للوجود الأميركي، ما جعله عرضة لضغوط متزايدة وهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة مرتبطة بطهران وحلفائها.
وخلال الأشهر الماضية، تعرض الإقليم لسلسلة من الضربات التي استهدفت مواقع حدودية وجماعات كردية إيرانية معارضة، في وقت وجدت فيه حكومة أربيل نفسها أمام واقع جديد يتمثل في تحول الإقليم إلى جزء من ساحة الاشتباك غير المباشر بين واشنطن وطهران، بفعل موقعه الجغرافي وعلاقاته الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة.
وتستضيف أربيل منذ سنوات قوات أميركية تشكل اليوم العمود الفقري للوجود العسكري الأميركي في العراق، خاصة بعد تقليص انتشار هذه القوات في مناطق أخرى من البلاد. ومع تصاعد المواجهة الإقليمية، ازدادت أهمية القواعد الأميركية في الإقليم، بالتوازي مع ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية التي تحيط به.
وأظهرت الحرب مفارقة معقدة يعيشها الإقليم؛ فكلما تعززت أهميته لدى واشنطن، ازدادت هشاشته الأمنية. فالوجود الأميركي يوفر عنصر ردع ويحافظ على قدر من الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يجعل الإقليم هدفاً مباشراً للقوى المناهضة للنفوذ الأميركي في المنطقة.
وفي الداخل، كشفت الأزمة أيضاً عمق الانقسامات السياسية الكردية، بعدما دخل الحزبان الرئيسيان، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، في خلافات ممتدة بشأن تشكيل الحكومة وتقاسم المناصب والموارد عقب انتخابات أكتوبر 2024.
وأدى استمرار الخلافات إلى إضعاف المؤسسات السياسية والأمنية في وقت يحتاج فيه الإقليم إلى أعلى درجات التماسك لمواجهة التحديات المتصاعدة. كما انعكس الانقسام على ملف قوات البيشمركة، التي ما تزال تعمل ضمن مراكز نفوذ حزبية أكثر من كونها مؤسسة أمنية موحدة.
وفي موازاة التحديات الأمنية، أعادت الحرب إحياء الخلافات المزمنة بين أربيل وبغداد، خصوصاً في ملفات الموازنة والنفط وصلاحيات الإقليم ضمن النظام الاتحادي العراقي.
وترى حكومة إقليم كردستان أن تصاعد التهديدات الأمنية يبرر حصولها على دعم مالي أكبر ومرونة أوسع في إدارة مواردها، بينما تتمسك بغداد بضرورة التزام الإقليم الكامل بسياسات الدولة الاتحادية في ما يتعلق بالإيرادات النفطية وإدارة الثروات الطبيعية.
كما كشفت التطورات حدود النظام الأمني العراقي بعد عام 2003، في ظل تعدد القوى المسلحة وتداخل نفوذ الدولة مع الفصائل المرتبطة بإيران، ما جعل أي تصعيد إقليمي ينعكس مباشرة على الداخل العراقي.
وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة معضلة متزايدة بشأن مستقبل وجودها العسكري في العراق. فبينما ترى واشنطن أن الانسحاب قد يضعف نفوذها ويمنح الفصائل المدعومة من إيران مساحة أوسع، فإن استمرار الوجود العسكري يجعل قواتها وحلفاءها في مرمى الاستهداف المستمر.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن مستقبل إقليم كردستان بات مرتبطاً ليس فقط بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران، بل أيضاً بقدرة الإقليم على تجاوز انقساماته الداخلية وإعادة بناء علاقته مع بغداد على أسس أكثر استقراراً.
وهكذا، لم تخرج الحرب على إيران إقليم كردستان من هامش السياسة الإقليمية إلى مركزها فحسب، بل أعادت تعريف دوره ووظيفته الإستراتيجية في الشرق الأوسط، بوصفه منطقة أكثر تأثيراً في معادلات المنطقة، وأكثر عرضة في الوقت نفسه للمخاطر والتجاذبات الإقليمية.