حماة/ جمانة الخالد
وشهدت أسواق محافظة حماة في الأيام الأخيرة هبوطاً غير مسبوق في أسعار الفروج الطازج، حيث وصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 14 ألف ليرة سورية، وهو ما اعتبره المواطنون بشرى سارة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. ففي حي المشرفة الشعبي، تقول أم محمد وهي ربة منزل من ذوات الدخل المحدود: “أخيراً نستطيع شراء الدجاج لأطفالنا بعد أشهر من الحرمان”. لكن هذه الصورة المفرحة تخفي وراءها معاناة قاسية يعيشها مربو الدواجن الذين باتوا على حافة الإفلاس.
يقف أبو علي (52 عاماً) وهو أحد المربين القدامى، في مزرعته المتواضعة بريف حماة الشمالي، بحزن أمام عنابر الدواجن الفارغة. “هذه المهنة التي ورثتها عن أبي وأجدادي أصبحت طريقاً إلى الخسارة”، يقول الرجل الذي اضطر لبيع قطيع الدجاج الأخير بخسارة فادحة. ويضيف: “كلفة الكيلو الواحد من العلف تجاوزت 10 آلاف ليرة، بينما لا نستطيع بيعه بأكثر من 13 ألف ليرة. كيف نستمر؟”.
ويكشف الطبيب البيطري عبد العزيز شومل، النقيب السابق لأطباء البيطرة في حماة، عن أبعاد الأزمة: “قطاع الدواجن يشغل أكثر من 20% من القوى العاملة في سوريا، وعندما ينهار هذا القطاع، فإن آثاره ستطال مئات الآلاف من العائلات”. ويضيف شومل: “المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل صحية أيضاً. فالدجاج المجمد المستورد غالباً ما يكون من مخزونات قديمة تمت إعادة تعبئتها، وقد سجلنا حالات تسمم عديدة”.
في سوق الهال القديم بقلب حماة، تظهر معضلة أخرى. أحد بائعي الدواجن، الذي فضل عدم ذكر اسمه، اعترف بأن بعض المحال تلجأ لخلط الدجاج المحلي بالمستورد عند الفرومة: “الناس تطلب السعر الرخيص، والبعض يستغل هذا لبيع منتجات مشكوك بأمرها”. هذه الممارسات دفعت جمعية حماية المستهلك لإصدار تحذيرات رسمية من شراء الدواجن المفرومة الجاهزة.
وتتفاقم الأزمة مع ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج. المزارع أحمد الحسيني (60 عاماً) يشرح: “سعر كيس العلف تجاوز 300 ألف ليرة، والأدوية البيطرية أصبحت بأسعار خيالية. كيف ننافس المستورد المدعوم؟”. ويشير إلى أن العديد من المربين تحولوا إلى مهن أخرى، بينما اضطر آخرون لبيع معدات مزارعهم كخردة.
في محاولة للحد من الأزمة، طالب اتحاد الفلاحين بضرورة إصدار قرارات عاجلة تشمل: وقف استيراد الدجاج المجمد لمدة عام على الأقل، وتوفير أعلاف مدعومة للمربين، وتشديد الرقابة على المسالخ والأسواق، ودعم تصدير الفروج السوري لدول الجوار.
لكن هذه المطالب تبقى رهناً بالقرارات الحكومية التي لم تصدر بعد. في المقابل، يستمر تدفق الشحنات المستوردة عبر المنافذ الحدودية، مما يزيد من مخاوف انهيار أحد أهم قطاعات الأمن الغذائي في البلاد.
بينما تتناقض مشاعر الفرحة لدى الأسر محدودة الدخل مع يأس المربين، تبقى أزمة دواجن حماة نموذجاً صارخاً لمعضلة اقتصادية تحتاج إلى حلول عاجلة توازن بين حماية المنتج المحلي وتأمين الغذاء بأسعار معقولة للمواطنين.