يشهد قطاع التجارة الإلكترونية في سوريا اهتماماً متزايداً مع توسع استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، وارتفاع الطلب على الخدمات الرقمية والبرامج المدفوعة ومنصات التسوق العالمية. إلا أن هذا التوسع لا يزال يصطدم بعقبات تقنية ومصرفية تحد من قدرة المستخدمين على الاستفادة الكاملة من الاقتصاد الرقمي، رغم المؤشرات التي تتحدث عن انفتاح تدريجي قد يعيد ربط سوريا بالمنظومة الرقمية العالمية.
وباتت عمليات شراء التطبيقات، والاشتراك في خدمات التخزين السحابي، ومنصات البث، وبرامج العمل والتعليم، جزءاً من الاحتياجات اليومية لشريحة واسعة من السوريين، غير أن غياب وسائل الدفع الإلكتروني الدولية واستمرار القيود على بعض الخدمات يدفع الكثيرين إلى البحث عن حلول بديلة لإتمام معاملاتهم.
واقع رقمي لم يكتمل
ورغم التحولات التي شهدتها البلاد خلال الفترة الماضية، لا تزال البيئة الرقمية في سوريا تعاني من نقص في البنية المصرفية المرتبطة بالمدفوعات الإلكترونية العالمية، الأمر الذي يحرم المستخدمين من الاستفادة المباشرة من آلاف الخدمات والمنصات الدولية.
ويرى مختصون في قطاع التكنولوجيا أن الاقتصاد الرقمي لا يقتصر على توفير الإنترنت أو انتشار الهواتف الذكية، بل يعتمد أيضاً على وجود منظومة مالية إلكترونية متكاملة تسمح بالدفع والشراء والتحويل بشكل آمن وسريع، وهو ما لم يتحقق بصورة كاملة حتى الآن.
وكان وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل قد أعلن في وقت سابق أن سوريا تتجه نحو إنهاء جزء كبير من عزلتها التقنية، مع توقعات بعودة العديد من الخدمات العالمية تدريجياً، بالتزامن مع المتغيرات الدولية المتعلقة بالعقوبات المفروضة على البلاد.
السوريون العائدون يلاحظون الفارق
ويؤكد عدد من السوريين العائدين من دول الجوار وأوروبا أن الفارق في مستوى الخدمات الرقمية يبدو واضحاً بمجرد العودة إلى البلاد.
ويقول أحمد العبد، الذي عاد مؤخراً من ألمانيا، إن معظم معاملاته اليومية في الخارج كانت تتم عبر الهاتف المحمول، بدءاً من شراء الاحتياجات المنزلية ووصولاً إلى دفع الفواتير وحجز المواعيد والخدمات المختلفة، بينما يواجه اليوم صعوبات في تنفيذ أبسط عمليات الشراء الإلكتروني داخل سوريا.
أما سامر الخطيب، العائد من تركيا، فيشير إلى أن استخدام التطبيقات المصرفية والدفع الإلكتروني كان جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، لافتاً إلى أن غياب هذه الخدمات داخل سوريا يدفع المستخدمين للعودة إلى وسائل تقليدية تستغرق وقتاً أطول وتكلفة أكبر.
حلول مؤقتة
ومع استمرار هذه التحديات، يعتمد كثير من السوريين على أقارب أو أصدقاء خارج البلاد لإتمام عمليات الدفع الإلكتروني، سواء لتجديد الاشتراكات أو شراء البرامج والتطبيقات التي تتطلب بطاقات مصرفية دولية.
ويقول أحد العاملين في مجال التصميم الغرافيكي إن معظم برامجه المهنية تحتاج إلى اشتراكات شهرية، الأمر الذي يجبره على تحويل قيمة الاشتراك إلى أحد معارفه خارج سوريا ليقوم بإتمام عملية الدفع، قبل أن يتمكن من متابعة عمله.
كما ظهرت خلال السنوات الأخيرة مكاتب وشركات محلية تقدم خدمات الوساطة في شراء التطبيقات والاشتراكات الرقمية مقابل عمولات مالية، لتسد جزءاً من الفراغ الذي خلفه غياب وسائل الدفع الدولية.
آثار اقتصادية
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار القيود على خدمات الدفع الإلكتروني لا ينعكس فقط على الأفراد، بل يؤثر أيضاً في الشركات الناشئة ورواد الأعمال والعاملين عن بعد، الذين يعتمدون على المنصات الرقمية في التسويق والبيع وتقديم الخدمات.
ويشير مختصون إلى أن ضعف الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي يقلل من فرص جذب الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، ويحد من قدرة الشركات السورية على المنافسة في الأسواق الخارجية، خاصة في مجالات البرمجيات والخدمات الرقمية والعمل الحر.
كما ينعكس هذا الواقع على قطاع التعليم الإلكتروني، إذ يواجه الطلاب والباحثون صعوبات في الاشتراك بالدورات التدريبية والمنصات التعليمية العالمية، فضلاً عن محدودية الوصول إلى بعض البرمجيات الأكاديمية المتخصصة.
العقوبات والتكنولوجيا
ويرتبط جزء كبير من هذه التحديات بمنظومة العقوبات التي فرضت على سوريا خلال العقود الماضية، والتي شملت جوانب مالية وتقنية، ما دفع عدداً من الشركات العالمية إلى حجب خدماتها أو تقييدها داخل البلاد التزاماً بالتشريعات الأميركية والأوروبية.
ويرى محللون أن هذه القيود لم تعد تقتصر على التعاملات المصرفية، بل امتدت إلى خدمات الحوسبة السحابية، والتطبيقات المدفوعة، وأنظمة التشغيل، ومنصات الذكاء الاصطناعي، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة الرقمية مقارنة بدول المنطقة.
مرحلة جديدة
ومع الحديث عن تخفيف بعض القيود الدولية وإعادة انفتاح سوريا على الأسواق العالمية، تتزايد التوقعات بإمكانية عودة خدمات رقمية كانت محجوبة لسنوات، إلا أن خبراء يؤكدون أن تحقيق تحول رقمي حقيقي يتطلب أكثر من رفع القيود الخارجية.
ويشدد المختصون على ضرورة تطوير البنية المصرفية، وإطلاق منظومات دفع إلكتروني حديثة، وربط المصارف السورية بالشبكات المالية الدولية، إلى جانب تحديث التشريعات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية وحماية المستهلك والأمن السيبراني.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطوات سيمنح الاقتصاد السوري فرصة للاندماج بصورة أكبر في الاقتصاد الرقمي العالمي، ويخفف من اعتماد المستخدمين على الوسطاء، ويفتح المجال أمام توسع التجارة الإلكترونية والاستثمار في قطاع التكنولوجيا، بما يواكب التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم.