في كثير من قرى وبلدات محافظة درعا، لا يزال زواج الأقارب يُنظر إليه بوصفه تقليداً اجتماعياً يحافظ على تماسك العائلة، إلا أن هذا الموروث يترك في حالات عديدة آثاراً قاسية تتحملها المرأة السورية قبل غيرها، سواء من خلال الزواج الذي يتم تحت ضغط الأسرة، أو بسبب المسؤولية الأكبر التي تقع على عاتقها عند ولادة أطفال يعانون أمراضاً وراثية أو إعاقات صحية.
وتجد كثير من النساء أنفسهن بين رغبة شخصية في اختيار شريك الحياة، وبين ضغوط اجتماعية تجعل رفض الزواج من أحد الأقارب أمراً صعباً، خشية إثارة الخلافات داخل الأسرة أو التعرض للانتقاد من المحيط الاجتماعي.
المرأة… الحلقة الأكثر تأثراً
تروي شابة من ريف درعا أنها وافقت على الزواج من أحد أقاربها استجابة لرغبة العائلة، رغم عدم اقتناعها الكامل بالقرار. وبعد سنوات قليلة، أنجبت طفلة تعاني مرضاً وراثياً يتطلب علاجاً دائماً ورعاية خاصة، لتتحول حياتها اليومية إلى رحلة طويلة بين المشافي والمراكز الطبية، وسط أعباء مالية ونفسية متزايدة.
وتقول إن أصعب ما واجهته لم يكن المرض وحده، بل شعورها الدائم بأنها تتحمل اللوم، في حين أصبحت مسؤولة عن رعاية طفلتها في ظل تراجع الاستقرار الأسري.
وفي قصة أخرى من ريف المحافظة، تتحدث أم فقدت أكثر من طفل بسبب أمراض وراثية، مؤكدة أنها لم تكن تعرف شيئاً عن أهمية الفحوص الطبية قبل الزواج، وأن قرار ارتباطها بابن عمها جاء استجابة لرغبة كبار العائلة دون أن يكون لها دور حقيقي في الاختيار.
أعباء تتجاوز الجانب الصحي
ولا تقف معاناة المرأة عند حدود الأمراض الوراثية، إذ يشير مختصون اجتماعيون إلى أن زواج الأقارب يزيد في بعض الحالات من تدخل العائلة في تفاصيل الحياة الزوجية، ما يحد من استقلالية الزوجة ويجعلها أكثر عرضة للضغوط والخلافات العائلية.
كما تتحمل المرأة غالباً العبء الأكبر في رعاية الأطفال المرضى، ومتابعة العلاج، وتحمل التكاليف النفسية والجسدية، بينما قد تجد نفسها في مواجهة اتهامات أو نظرة اجتماعية تحملها مسؤولية المشكلات الصحية التي تصيب الأبناء، رغم أن الأسباب الوراثية ترتبط بالزوجين معاً.
تحذيرات طبية
ويؤكد أطباء أن زواج الأقارب لا يؤدي بالضرورة إلى إصابة الأطفال بأمراض وراثية، لكنه يزيد من احتمالية انتقال بعض الأمراض الوراثية المتنحية عندما يكون الزوجان حاملين للجين المسبب للمرض، الأمر الذي يجعل الفحص الوراثي قبل الزواج خطوة مهمة لتقدير المخاطر واتخاذ قرار مبني على أسس علمية.
ويشدد مختصون على أن الهدف من التوعية ليس رفض زواج الأقارب بشكل مطلق، وإنما تعزيز ثقافة الفحص والاستشارة الوراثية، وتمكين المقبلين على الزواج من معرفة النتائج المحتملة، بما يحمي الأسرة ويحد من معاناة الأطفال والأمهات.
نحو حماية المرأة والأسرة
ويرى ناشطون في الشأن الاجتماعي أن الحد من آثار هذه الظاهرة يبدأ بإعطاء المرأة مساحة حقيقية للمشاركة في قرار الزواج، ونشر ثقافة الفحص الطبي قبل الزواج، إلى جانب تكثيف حملات التوعية في المدارس والجامعات والمراكز الصحية.
ويؤكدون أن حماية الأسرة السورية لا تتحقق بالتمسك الأعمى بالموروثات، وإنما بالموازنة بين احترام العادات والاستفادة من التقدم الطبي، بما يضمن للمرأة حقها في الاختيار، ويحمي الأطفال من أمراض يمكن الحد من مخاطرها بالتوعية والوقاية.
وفي ظل استمرار هذه الظاهرة في عدد من المناطق، تبقى المرأة السورية الطرف الأكثر تحملاً لتبعاتها، فهي التي تواجه ضغوط العائلة عند اتخاذ قرار الزواج، وتتحمل مسؤولية رعاية الأطفال إذا ظهرت أمراض وراثية، وتدفع في كثير من الأحيان ثمن أعراف اجتماعية باتت بحاجة إلى مراجعة، حفاظاً على صحة الأجيال القادمة واستقرار الأسرة.