لكل السوريين

“نداء النبطية الثاني”.. صوت من قلب الجنوب يطالب الدولة باستعادة زمام الأمن

في تطور لافت يتجاوز الانقسام السياسي التقليدي حول سلاح «حزب الله»، عاد ملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية إلى الواجهة من مدينة النبطية نفسها، إحدى أبرز مدن جنوب لبنان، وذلك مع إطلاق «نداء النبطية الثاني» الذي وقّع عليه أكثر من 400 شخص من أبناء النبطية وجبل عامل والجنوب.

ويأتي النداء في ظل تصعيد عسكري إسرائيلي متواصل في الجنوب، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الدمار والتهجير، ليضع حضور الدولة اللبنانية والجيش في صدارة النقاش داخل منطقة لطالما ارتبط اسمها سياسياً واجتماعياً بـ«حزب الله».

من 220 توقيعاً إلى أكثر من 400

اللافت أن «نداء النبطية الثاني» ليس مبادرة منفصلة تماماً، بل يأتي امتداداً لنداء أول صدر في 29 أيار/مايو 2026 ووقّعه آنذاك أكثر من 220 شخصية، محذراً من وصول الحرب والدمار إلى المدينة ومحيطها.

وبحسب مصادر إعلامية لبنانية، فإن النداء الجديد صدر في 7 أيلول/سبتمبر الجاري، ورفع عدد الموقعين إلى أكثر من 400، بينهم أطباء ومهندسون ومحامون ومصرفيون وإعلاميون وأكاديميون وكتّاب وناشطون، في مؤشر على اتساع دائرة الأصوات المطالبة بتعزيز حضور مؤسسات الدولة.

وحمل النداء عنواناً دالاً: «أنقذوا عاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية»، مطالباً بانتشار الجيش اللبناني والقوى الأمنية في النبطية ومحيطها وعلى مداخلها، وتولي الدولة مسؤولية الأمن، إلى جانب حصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الرسمية.

لماذا النبطية الآن؟

تكمن أهمية التطور في أن المطالبة لا تأتي هذه المرة من بيروت أو من قوى سياسية معارضة لـ«حزب الله» فقط، بل من شخصيات تقول إنها تمثل شريحة من أبناء الجنوب أنفسهم.

ويربط الموقعون بين تدهور الوضع الأمني وبين استمرار وجود البنى العسكرية التابعة للحزب في مناطق مأهولة، معتبرين أن استمرار ازدواجية القرار الأمني والعسكري يجعل المدن والبلدات الجنوبية عرضة لتداعيات المواجهة الإسرائيلية.

وقال الصحافي علي الأمين، أحد الموقعين، إن بسط سلطة الدولة وانتشار الجيش في الجنوب يمثلان، من وجهة نظر الموقعين، الوسيلة لحماية المناطق وردع الاعتداءات، فيما رأى نزار مرتضى أن استمرار وجود مواقع ومخازن تابعة للحزب داخل المدينة يجعلها عرضة للاستهداف.

«قوة أمر واقع» في مواجهة الدولة

ولا يكتفي النداء بالمطالبة بانتشار الجيش، بل يضع بصورة مباشرة قضية ازدواجية السلطة والسلاح أمام الدولة اللبنانية.

ففي نصه، يشير إلى أن الفراغ الذي تتركه الدولة يتحول إلى مساحة أمام «قوى الأمر الواقع والعدو معاً»، داعياً السلطات اللبنانية إلى ممارسة دورها من دون انتظار تفاوض أو توافق مع أي جهة.

وهذا الخطاب يعكس تحولاً مهماً في طبيعة النقاش: فالمسألة لم تعد فقط هل يجب نزع سلاح «حزب الله» أم لا، وإنما بات السؤال المطروح لدى الموقعين هو من يملك قرار الحرب والسلم ومن يتحمل مسؤولية حماية السكان؟

لكن النداء لا يمثل كل النبطية

وفي المقابل، برزت أصوات تحذر من تقديم العريضة باعتبارها تعبيراً عن موقف المدينة بأكملها.

رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين قال إن المدينة لا يمكن اختزالها بـ400 توقيع، مؤكداً أن النبطية تضم أطيافاً واتجاهات متعددة، وأن لا حزباً أو جهة أو حتى البلدية يمكنها الادعاء بأنها الناطق الوحيد باسم جميع سكانها.

وهذا الموقف مهم في قراءة الحدث بعيداً عن المبالغة السياسية؛ فالـ400 توقيع تمثل شريحة مدنية واضحة، لكنها لا تعني بالضرورة تحولاً شاملاً في المزاج الشعبي للمدينة أو الجنوب.

الجيش أمام اختبار جديد

وتضع التطورات المؤسسة العسكرية اللبنانية أمام اختبار حساس: كيف يمكن تعزيز حضور الجيش في الجنوب وحماية المدنيين، في منطقة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والعسكرية، وفي ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية؟

وقد شهدت النبطية ومحيطها خلال الأيام الأخيرة تصعيداً عسكرياً كبيراً، فيما كثّف الجيش اللبناني دورياته في المدينة بهدف طمأنة الأهالي، بحسب تقارير صحفية حديثة. كما انتقلت الضغوط العسكرية من المناطق المحيطة إلى داخل النبطية، ما زاد المخاوف على السكان والبنية العمرانية والخدماتية.

وفي الوقت نفسه، حظي النداء بتأييد من قوى سياسية لبنانية، بينها حزب الكتائب، التي رأت في المطالبات بانتشار الجيش وحصر السلاح بيد الدولة خطوة لحماية المدينة وأهلها، فيما اعتبر النائب أشرف ريفي أن النداء يمثل فرصة للدولة لتعزيز حضورها في الجنوب.

بين حماية الجنوب ونزع السلاح

المفارقة الأساسية أن «نداء النبطية الثاني» لا يأتي في ظروف سياسية عادية؛ فالجنوب يعيش تحت ضغط عسكري إسرائيلي، بينما لا تزال قضية سلاح «حزب الله» واحدة من أكثر الملفات حساسية في لبنان.

لذلك، فإن المطالبة بانتشار الجيش يمكن قراءتها من زاويتين متداخلتين: الأولى أمنية ومدنية، تتعلق بحماية السكان ومنع تحويل المدن إلى ساحات مواجهة؛ والثانية سيادية وسياسية، تتعلق بمنح الدولة وحدها سلطة القرار العسكري والأمني.

وبين هذين البعدين، تبدو النبطية أمام مرحلة جديدة من النقاش الداخلي، عنوانها هذه المرة ليس فقط «سلاح حزب الله»، وإنما مستقبل الدولة في الجنوب ومن يملك قرار حماية أهله وأرضه.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع الدولة اللبنانية تحويل هذا النداء الشعبي إلى حضور فعلي ومستدام على الأرض، أم سيبقى ملف السلاح والقرار العسكري أسير التوازنات السياسية والأمنية التي تحكم لبنان منذ سنوات؟

- Advertisement -

- Advertisement -